17 - حكم القتال في الأشهر الحُرُم - عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

ومنها قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾[البقرة: 217] ، أي القتال في الأشهر الحرم ، الأشهر الحرم كما قلنا أربعة ؛ أولها ذو القِعدة ، ويجوز ذو القَعدة - أي بفتح القاف أو كسرها - ذو القَعدة وذو القِعدة ، وذو الحِجة ويجوز ذو الحَجَّة ، ومحرم ، ورجب ، يقول : ثلاثةٌ سرد وواحدٌ فرد. سرد لأنها متصلة ببعضها ؛ ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم محرم ؛ الشهر الحادي عشر والثاني عشر والأول ، ثم رجب لوحده ؛ لأن بعد محرم يأتينا صفر ، ثم ربيع أول ، ربيع ثاني ، جمادى الأولى ، جمادى الثانية ، ثم رجب ، ثم شعبان ، ثم رمضان ، ثم شوال ، ثم ذو القعدة ، فإذاً رجب منفصل عن الأشهر الحرم ، ويسمى رجب مُضَر ، لماذا سماه النبي رجب مضر؟ لأن مضر ؛ قبيلة مضر التي منها النبي ﷺ  كانت تعظم هذا الشهر ، بينما كثير من العرب كانوا يتلاعبون بهذا الشهر ، يحولونه ؛ أي يغيرون الأشهر حتى لا يصير حراما ، عندما يريدون القتال في هذا الشهر فيقولون : الشهر الحرام رجب نغير مكانه ، وهذا من الضلال والعياذ بالله ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾[التوبة: 37] فالنسيء هو تأخير الأشهر واللعب بالأشهر. رجبُ مُضَر ؛ سمي رجب مضر لأن قبيلة مضر التي تتبعها قريش ، وتميم وغيرها من القبائل ، هذه القبيلة كانت تعظم هذا الشهر ، وتسميه مُنَصِّلُ الأسنة ، وتسميه شهر الصمت ، أو الأصم ، مُنَصِّلُ الأسنة ، لماذا منصل الأسنة؟ لأنهم في هذا الشهر يأتون إلى الرماح وينزعون السن ؛ الذي هو الرمح ؛ السن الذي في الرمح ينزعونه حتى لا يقاتلوا في هذا الشهر ، منصل الأسنة يسمونه ، ويسمونه الأصم أو شهر الصمت ، لماذا أصم؟ قالوا : أصم لأنه لا تسمع فيه قرقعة السلاح ، ليس فيه قتال. 

فقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] ، أي لا يجوز القتال في الشهر الحرام ، وهنا مسألة فقهية وهي : هل هذه الآية منسوخة أو غير منسوخة؟ المشهور أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ، وقيل : هذه من المنسوخ في سورة المائدة ؛ على خلاف بين أهل العلم هل هذه من المنسوخ أو لا؟ نقل الطبري رحمه الله الإجماع أن هذا منسوخ ، وأنه أذن للنبي بالقتال في الأشهر الحرم ، والدليل ماذا؟ قالوا : الدليل على إنها فعل النبي ﷺ حيث قاتل في الشهر الحرام. متى قاتل في الشهر الحرام؟ قالوا : في  حنين في ذي القعدة ، وتبوك كانت في رجب ، فإذا  يجوز القتال في الأشهر الحرم. على كل حال ذهب بعض أهل العلم وهو اختيار شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى  : أن هذا غير منسوخ ، وأن  القتال في الأشهر الحرم محرم ، وعلى أصله ، لنص الآية ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] ، وقول الله تبارك وتعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾[البقرة: 217] فهذه نصوص صريحة ، وكذلك قول النبي ﷺ : (منها أربعةٌ حرم) ، وقول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] ثم قال : ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] ، فقال : نصوص صريحة جداً في تحريم هذه الأشهر ، ما الذي نسخها؟! قالوا : فعل النبي ﷺ ؛ قاتل في رجب في تبوك ، وقاتل في ذي القعدة في حنين ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : وهذا لا يستقيم لهم ؛ لأن الأصل في معركة حنين أنها كانت في شوال ؛ بعد فتح مكة في رمضان في شوال انطلق النبي ﷺ إلى حنين ، فحنين كانت في شوال وليست في ذي القعدة ، لكن استمرت إلى أن دخل شهر ذو القعدة ، وتبوك كانت أصلاً هي هجوم من الكفار على المسلمين أو استعداد لقتال المسلمين فكان رد فعل ، فإذا كان الكفار هم الذين هاجموا المسلمين أو استعدوا لقتال المسلمين جاز للمسلمين أن يبادلوهم ذلك ، لكن لا يبدأ المسلمون بالقتال في هذه الأشهر ؛ وهذا هو القول الأقرب والعلم عند الله تبارك وتعالى ، وتبقى هذه الأشهر حرماً إلى يوم القيامة ، ولكن إذا بدأَنا الكفار بالقتال أو استعدوا لقتالنا فلا مانع أبداً أن نستعد لقتالهم ولو كان في الأشهر الحرم والعلم عند الله جل وعلا. 

شارك