تفسير آيات من سورة الرحمن الشيخ د.عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

                                         السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 مساكم الله بالخير جميعاً ، أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلله فلن تجد له ولياً مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد ، فإن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وإن شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، أما بعد ،

إن هذا الشهر الكريم الذي نتفيأ ظلاله ، كما اشتهر أنه شهر القرآن ، وعندما نقول شهر القرآن أي الشهر الذي يكثر فيه الناس من قراءة القرآن ، والنظر فيه ، وتدبر معانيه ، وهو كذلك كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] ، وكانت للنبي ﷺ عناية بالقرآن في هذا الشهر أكثر من غيره ، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي ﷺ القرآن في هذا الشهر ، فالقصد أنه يحسن بالإنسان أن يكثر من قراءة كتاب الله تبارك وتعالى في هذا الشهر ، وكان من سنة النبي ﷺ أن يقرأ الإنسان القرآن في كل شهرٍ مرة ، كما جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال له : (اقرأ القرآن في كل شهرٍ مرة) ، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما : من لم يقرأ القرآن في شهر فقد هجره ؛ من هجر القرآن  أنك لا تختمه في شهر ، أما في رمضان فكانت تكثر الختمات ، من أهل العلم والفضل والعبادة من يختم القرآن في كل يومٍ مرة ، ومنهم من يختم في ثلاث ، ومنهم من يختمون في خمس ، ومنهم من يختم في سبع ، رجالا ونساء ، كانوا يكثرون من قراءة القرآن ومن ختم القرآن ، وهذا أمر طيبٌ مبارك ؛ أن الإنسان يخص الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة بمزيد عناية ، وكثير عبادة ، ولكن الأمر الذي يفقده كثيرٌ من المسلمين اليوم هو تدبر القرآن ؛ لا مجرد ختم القرآن ، وإن كان ختم القرآن مطلوباً ، يقول النبي ﷺ : (اقرؤا القرآن ، فلكم في كل حرفٍ حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول ﴿الم١﴾ [البقرة: 1] حرف ، ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرف وميمٌ حرف) ، فتصور لو قرأت القرآن الكريم كم حرفاً سيمر عليك؟ كم سيكون لك من الأجر العظيم عند الله تبارك وتعالى؟ سواءً في رمضان أو في غير رمضان ، ولكن كيف لو قرأت القرآن بتمعنٍ وتدبر؟ لو عشت مع آيات القرآن؟ لو فهمت معانيه وعرفت أحكامه ، وتدبرت آياته ، أن الأمر مختلفٌ تماماً ، بل هذا هو الذي أنزل الله لأجله القرآن ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] ، فذكر الله تبارك وتعالى الحكمة والعلة التي من أجلها أنزل هذا الكتاب العظيم قال : ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾[ص: 29] ، بل عاب الله تبارك وتعالى على من لا يتدبر ، فقال سبحانه وتعالى : افلا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ٢٤﴾ [محمد: 24] وقال سبحانه وتعالى : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ٨٢﴾ [النساء: 82] ، ومدح وأثنى ربنا تبارك وتعالى على الحجَر فيما لو أُنزل عليه القرآن ، فقال : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] وهو جبل حجرٌ جلمٌود ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[الحشر: 21] ، وكان النبي ﷺ في قراءته القرآن يتدبر كلام الله جل وعلا ، يقول حذيفة رضي الله عنه : صليت خلف النبي ﷺ أو مع النبي ليلة ، فاستفتح البقرة ، فقلت : يركع عند المئة فتجاوزها ، حتى قرأها وقرأ النساء وآل عمران. أنت تتكلم عن خمسة أجزاء ونصف في ركعة واحدة ، الجزء في قراءة المتأنية نصف ساعة ، خمسة أجزاء نصف في ركعة واحدة صلاها النبي ﷺ ، ولكن كيف كانت صلاته؟ يقول حذيفة : فكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله من فضله ، ولا يمر بآية عذاب إلا واستعإذ بالله ، ولا يمر بآيةٍ فيها تعظيم  لله إلا عظم الله جل وعلا. قراءة تدبر ، فالوقت يأخذ أكثر من هذا ، في ركعةٍ واحدة ﷺ ، بل صلى قيام الليل مرة بآية واحدة ، لكن قيامه كيف كان ﷺ ؟  يقول ربنا تبارك وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ٤﴾[المزمل: 1-4] هكذا كان قيامه ﷺ ، بآية واحدة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١١٨﴾ [المائدة: 118] ، فقط يرددها ، يعيش معها ، يدرك معناها ، وهذا كان كثيرا في السلف رحمهم الله تبارك وتعالى ، ابن عباس قام بآية واحدة ليلة كاملة ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٨١﴾ [البقرة: 281]  ، سفيان الثوري قام الليل من العشاء إلى الفجر بسورةٍ واحدة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ [التكاثر: 1] ، فلا يعتذرن أحد في تركه لقيام الليل بأنه لا يحفظ كثيراً من القرآن ، القضية ليست قضية حفظ ، وإنما قضية تدبر وفهم لكتاب الله تبارك وتعالى ، يقول القاسم بن محمد بن أبي  بكر الصديق : دخلت أو قصدت عمتي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها  في حاجة ، فدخلت عليها الضحى ، فإذا هي تصلي ، فانتظرتها حتى تقضي صلاتها ، فلم تقضها - استمرت في صلاتها ، أطالت في القراءة - يقول : فقلت : أذهب إلى السوق ، أقضي بعض حاجتي ،  ثم أرجع إليها تكون قد قضت صلاتها ، فذهبت إلى السوق وقضيت حاجتي ورجعت وإذا هي قائمةٌ تصلي.  امرأة أم المؤمنين عائشة ، وإذا هي قائمةٌ تصلي ، يقول : وإذا هي تقرأ قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ٢٥ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ٢٦ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ  إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ٢٨﴾ [الطور: 25-28] القاسم يقول : فما تستطيع أن تتجاوزها ، وتبكي ، وتكررها ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ٢٧﴾ [الطور: 27] تكررها ، تكررها ، لا تستطيع أن تركع ، كانوا يعيشون مع القرآن ، يقول أحد السلف كانت لي ختمتان ، ختمة في كل شهر وختمةٌ في سنة ، ختمةٌ في كل شهرٍ قراءة وختمةٌ في كل سنة تدبر ، يختم ختمة تدبر لكلام الله تبارك وتعالى ، وهذا الذي لأجله أنزل الله القرآن ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾[ص: 29]. 

وقصدت أن نكون معاً في هذه الجلسة المباركة ، في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى ، أن نتدبر بعض آيات الله تبارك وتعالى ، وهي سورة الرحمن ، ويذكرون في سبب نزولها ، أنه لما كان صلح الحديبية ، وتم عقد الصلح ، وكان الذي يكتب الصلح علي بن أبي طالب بأمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لعلي : (اكتب بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ) فقال سهيل بن عمرو ؛ وهو زعيم المشركين الذي جاء يكتب مع النبي الصلح ، قال : (لا نعرف الرحمن الرحيم ، اكتب كما كان يكتب آباؤك ، باسمك اللهم. الرحمن الرحيم لا نعرفه ، لا نعرف إلا رحمن اليمامة  ؛ ورحمن اليمامة هو مسيلمة الكذاب ، لقب نفسه برحمن اليمامة ، قال : هذا الذي نعرفه الرحمن ، ليس عندنا الرحمن الرحيم ، اكتب باسمك اللهم ، فالتفت النبي ﷺ إلى علي وقال : (اكتب باسمك اللهم ، إمحو هذه) قال : لا أمحوها ، والنبي لا يقرأ ﷺ نبيٌ أميّ ، فقال له : (ضع يدي عليها) ؛ أين هي بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ؟ فوضع يده عليه ، فمحاها النبي بيده ؛ الأهم الصلح ، فمحاها النبي وقال : (اكتب باسمك اللهم) ، فكأن الله تبارك وتعالى بعد هذه الحادثة ، يقول لا تعرفون الرحمن! ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥﴾ [الرحمن: 1-5] ، فصارت هذه السورة تعريفاً للرحمن سبحانه وتعالى ، وجاء ترتيبها في كتاب الله تبارك وتعالى بعد سورة القمر ، وختام سورة القمر قول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥﴾ [القمر: 54-55] ﴿الرَّحْمَنُ ١﴾ [الرحمن: 1] ، جاءت بعدها مباشرة ، حتى إذا قرأت شبكت بين السورتين تقرأها هكذا ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥﴾ [القمر: 55] ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ٢﴾ [الرحمن: 1-2] سبحانه وتعالى ، والرحمن أعظم اسماء الله تبارك بعد اسم الجلالة ؛ بعد اسم الله ، ولذا يأتي بعده مباشرة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١﴾ [الفاتحة: 1] ، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ٥﴾ [طه: 5] ، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ  هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢﴾ [الحشر: 22] ، فهذا الاسم هو أخص أسماء الله به سبحانه وتعالى بعد اسم الله ، أخص أسمائه الله ، يأتي بعده الرحمن ، والرحمن هو الذي عمت رحمته ، وشملت ، أحاطت ، غطت ، وهذا الاسم من المبالغة في الرحمة ، كما تقول : غضبان ، جوعان ، ظمآن يعني وصلت حدي ، الرحمن عمت رحمته كل شيء سبحانه وتعالى. 

﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسَانَ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 1-4] ، قال أهل العلم : خلق الإنسان قبل تعليم القرآن  في الزمن ، والإنسان هو أصل الإنسان آدم ، ثم جنس الإنسان نحن ، والقرآن إنما أنزل على محمدٍ ﷺ ، فجاء بعد ذلك بقرون من خلق الإنسان ، فكيف قُدم تعليم القرآن على خلق الإنسان؟ قال أهل العلم : إن الله لم يراعي الفترة الزمنية ، وإنما راعى المنة العظيمة ، فكأن الله تبارك وتعالى  يقول لنا : تعليم القرآن منةٌ عظيمةٌ أعظم من خلق الإنسان ، لأن الإنسان في وجوده كوجود غيره ، من البهائم والطيور والأشجار والشمس والقمر مخلوق من المخلوقات ، ولكن المنة العظيمة هي تعليمه القرآن ، ولذلك قدم الأهم على المهم وإن كان المهم أقدم زمناً ، ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 1-2] علمه من؟ قالوا : علمه النبي محمداً ﷺ ، قالوا : علمه جبريل ، أو علمه الإنسان ، أو علمه الإنس والجن ، أو علمه المخلوقات كلها ، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] ، ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 2] كل أحد سبحانه ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] ، وهذه السورة تسمى سورة النعم ، سورة الإنعام ، سورة الفضل ، سورة الإكرام ، كلها منن ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٧﴾ [الرحمن: 3-7] ، كلها منن كما سيأتينا ، ولذلك كثر في هذه السورة قوله تعالى : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] أي بهذه النعمة ، أو هذه النعمة ، أو تلك النعمة ، أي النعم تنكر؟ كما تقول : لأحدهم ألم أعطك؟ فهل تنكر؟ ألم أعلمك فهل تنكر؟ ألم اساعدك فهل تنكر؟ ألم ادافع عنك؟ فهل تنكر؟ ألم أسكنك في بيتي؟ فهل تنكر؟ يذكره نعمه ، والله تبارك وتعالى كذلك ، يذكر هذه النعم و كلما ذكر نعمة قال : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] أي نعم الله تكذب؟ كلما ذكر نعمة قال : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] يخاطب الإنس والجن سبحانه وتعالى ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 3-4]  ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] هنا يوجد حذف ، أي خلق الإنسان ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤﴾ [التين: 4] سبحانه وتعالى ، ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨﴾ [الانفطار: 7-8] ، خلق الإنسان وميزه عن غيره من المخلوقات ، ميزك عن غيرك ، انظر إلى البهائم كيف تعيش ؟ وانظر أنت كيف تعيش؟ ميزك الله بهذا العقل ، ميزك الله تبارك وتعالى بالأيمان ، ميزك الله تبارك وتعالى بقدرات أعطاك الله إياها سبحانه وتعالى ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3]  حتى إنه قال سبحانه وتعالى : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] أي كل ما خلق الله تبارك وتعالى في الأرض إنما خلقه لأجلك  أنت ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 3-4] البيان نوعان ؛ بيانٌ تفهمه وبيانٌ تنقله ، علمك البيان ؛ كيف تفهم؟ كيف تدرك ما يقوله الناس؟ تصور إنسان أصم لا يسمع ، لا يفهم ، لا يفهم المراد ، لأنه لا يسمع ، لكن أنت تسمع ، وتفهم البيان ، علمك البيان ؛ تتكلم ، تبين ، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢﴾ [الزخرف: 52] ، فالإنسان يبين ، يقول ماذا يريد؟ تصور لو أن إنسان أبكم ، أخرس لا يتكلم ، إنسان عيي ، العيي ؛ هو الذي لا يستطيع أن يعبر عن مراده ، وتميز العرب بأنهم كانوا يفتخرون على غيرهم يقولون : نحن أهل البيان ، وغيرنا عجم ، علمك البيان سبحانه وتعالى ، تبين عما في نفسك ، عما في خاطرك ، تعبر عنه بلسانك ، علمك البيان سبحانه وتعالى. 

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥﴾ [الرحمن: 5] حسبان أي بدقةٍ متناهية ، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا  ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ٣٨ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ٣٩ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: 38-40] حسبان ؛ حساب دقيق ، الشمس كل يوم تشرق ، كل يوم تغرب ، حساب دقيق ؛ القمر كل يوم يشرق كل يوم يغرب ، الشمس لها منازل ، والقمر له منازل ، دقيقة ، كل يوم لها منزل تشرق منه ، والقمر كل يوم له منزل ؛ منازل ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥﴾ [الرحمن: 5] بحسبٍ دقيق من الله تبارك وتعالى. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦﴾ [الرحمن: 6]  الشجر هي الأشجار الباسقة ، الأشجار التي تقوم على ساق ، والنجم ؛ هي النباتات التي لا تقوم على ساق ، يقال لها أنجم ، مثل الخضروات : الخس ، والجرجير ، والطماطم ؛ هذه كلها ليس لها ساق ، لا تقوم على جذع ، هذه يقال لها أنجم ، هذه هي النجم ، الله تبارك يقول : ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ﴾ [الرحمن: 6] كله يسجد لله تبارك وتعالى ، وقال بعض أهل العلم : لا ؛ النجم هو النجم الذي في السماء ، وعلى كل حال لغة العرب تسع ؛ النباتات التي ليس لها ساق يقال لها : أنجم ، والنجوم التي في السماء يقال لها : أنجم ، كلها نجم ، سواءً قلنا هذا أو هذا ، كله يسجد لله تبارك وتعالى ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾[الحج: 18]  كلها تسجد لله تبارك وتعالى ، بعض أهل العلم قال : تسجد بمعنى تطيع ؛ خاضعة لله ، من الإذعان ، والخضوع ، والذل لله تبارك وتعالى ، من الطاعة ، وبعضهم قال : لا ، تسجد ؛ سجود ، لكن نحن لا نعلم هذا السجود ، ويقول : الآية على ظاهرها ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18] سجود لله تبارك وتعالى ، وكذلك هنا ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦﴾ [الرحمن: 6] سجوداً حقيقياً لله تبارك وتعالى ، ولكن نحن لا ندرك هذا السجود ، لا لعدم وجوده ولكن لضعفنا نحن ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] ، إذا أنتم لا تفقهون وليس هي لا تسبح ، هذه تسبح ، هذا يسبح ، الجدار يسبح ، كل شيء يسبح لله تبارك وتعالى ، وهذا خبر ربنا سبحانه ، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] أنتم لا تفقهون التسبيح ، الله جل وعلا يجعل فيها إرادةً للتسبيح نحن لا نعقلها ، ألم يحن الجذع للنبي ﷺ؟ ألم يكن حجرٌ يسلم على النبي ﷺ؟ أليس يقول ربنا تبارك وتعالى : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]؟ يخشى ، جبل يخشى ، ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[البقرة: 74]  هذه الجمادات لها شعور ، هذه الجمادات تعبد الله تبارك وتعالى ، لكن نحن لقصورٍ في إدراكنا ، في عقولنا ، في سمعنا ، في بصرنا لا ندرك هذه الأشياء ، الحيوانات تسمع أحسن منا ، الحيوانات تبصر أحسن منا ، يقول النبي ﷺ عن الكافر إذا كان في قبره : (ويضرب بمطرقة يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلان ، ولو أسمعتكم لما تدافنتم)  ،إذاً الطيور تسمع أشياء نحن لا نسمعها ، الحيوانات تسمع أشياء نحن لا نسمعها ، في جهاز الآن ؛ كنت مع أحد الإخوة ، جهاز عنده ، يضرب ، أرى النور فقط ، عندما يضربه الكلاب كلها ترفع رأسها و تتلفت ، تسمع أشياء أنت لا تسمعها ، درجات الصوت لنا قدرة معينة نسمع بها ، بصرنا لنا قدرة معينة ، الجدار يمنعنا من رؤية البيوت التي هنا ، لضعفٍ في أبصارنا ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : جاءت المجادلة ؛ خولة بنت ثعلبة إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها ، تقول عائشة : وما بيني وبينها إلا الجدار ، ويغيب عني بعض حديثها ، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾[المجادلة: 1] ، فقلت : سبحان من وسع سمعه كل شيء ، فوق سماواته ويسمع حديثنا ، فكوننا لا نسمع تسبيح هذه الأشياء ، كوننا لا ندرك سجود هذه الأشياء ، لا يعني عدم تسبيحها ولا يعني عدم سجودها ، ولكن يعني ضعف قدراتنا.

﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٧﴾ [الرحمن: 6-7] وضع الميزان أي أمر بالعدل ، ولذلك قال : ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٨﴾ [الرحمن: 8] أي أن لا تطغوا بالعدل ، أي لا تظلموا ، فالله تبارك وتعالى يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾[النحل: 90] ، ويقول الله تبارك وتعالى : (إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا) ، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: 9] أي الموزون ﴿بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ٩ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 9-10] وضعها من الوضاعة ، نقص ، ولذلك كان علي رضي الله عنه يقول : يا دنيا يا دنية ، فالدنيا دنية ؛ من الدنو والسفل ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] ، ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾[الرحمن: 7]سبحانه وتعالى ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] وثبتها بالرواسي ﴿ لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] للآنام أي للمخلوقات ، ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] ، ثم قال : ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11] فاكهة نكرة ، أي فواكه كثيرة ، وفواكه نعرفها وفواكه لا نعرفها ، فاكهة عرفناها لم يعرفها آباؤنا ، وسيعرف أبناؤنا فواكه لا نعرفها ، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾[الرحمن: 11] ذكر النخلة دون غيره من الزرع لمكانتها وفضلها ؛ مكانة هذه النخلة ، وفضل هذه النخلة ، النبي ﷺ شبه شجرةً من الشجر بالمؤمن  (ليس فيها إلا الخير)  يقول عبد الله بن عوف : فخاض الناس في شجر البوادي ، ووقع في قلبي أنها النخلة ، فقال النبي ﷺ : (هي النخلة) ، هذه النخلة الشجرة المباركة ، ثمرها طيب ، عريشها طيب ، سعفها طيب ، جمالها ، تمرها ، كل شيء فيها طيب ، ولذلك ميزها الله بالذكر ، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾[الرحمن: 11] ، والأكمام تكون للذكر وتكون للأنثى ، أما الذكر الطلع يكون محاطاً ، وكذلك النخلة الأنثى ، كذلك أول ما يخرج العثق يكون محاطاً ، أبدا  ، ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11]أي الإحاطة ؛ محاطٌ بها. ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 12] الحب قالوا : هي البقوليات ؛ العدس ، الماش ، الخبز ، البازلاء ؛ كلها بقوليات ؛ حبوب ، ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾[الرحمن: 12] الأوراق ، أي والعصف ﴿وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 12] هي الورد الذي له الرائحة الطيبة ، فكأن الله تبارك يقول : الحب لكم ، والعصف لبهائمكم ، والريحان لأنوفكم ؛ تشمون الرائحة الطيبة ، هذا كله منّ من الله تبارك وتعالى ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 12] ، ثم قال : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] أي بأي نعمه تكذبون؟ هذه بعضٌ نعمه ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾[النحل: 53] ، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾[الرحمن: 13] فبأي إنعام؟ ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13]، جاء في حديثٍ ضعفه كثيرٌ من أهل العلم وحسنه بعضهم ، أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية على الصحابة قال لهم : (ألا تقولون كما قال اخوانكم من الجن قالوا : وما قال الجن؟ قال : قالت : لك ولا بأي شيء من آلائك نكذب ، بل نوحدك ونشكرك على جميع نعمك ، فقولوا مثلما تقول) ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤﴾ [الرحمن: 13-14] الإنسان مر بمراحل في خلقه من نطفة ، ثم من تراب ، ثم الطين ، ثم صار صلصالا ، فصار فخار ، فصار آدمي بعد ذلك ، تدرج في خلق الإنسان ، من أصل خلقته ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 14] أي أصل خلقته من تراب ، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٥٩﴾ [آل عمران: 59] ، والتراب لما وضع عليه الماء صار طيناً ، فلما يبس صار صلصالا ، فلما ضرب صار كالفخار ، هذه كلها واحدة ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 14] ، أي أنت أيها الإنسان  خلقتك ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾ [الرحمن: 14-15] ، الجن مخلوقون من نار ، كما قال الله تبارك وتعالى عن إبليس : ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ  خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين ٍ٧٦﴾ [ص: 76]  هو من نار ، الشياطين خلقوا من نار كما قال النبي ﷺ : (إن الله خلق الملائكة  من نور ، وخلق الجان من نار وخلقكم مما وصف لكم) أي في كتابه العزيز ، سبحانه وتعالى ، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦﴾ [الرحمن: 15-16].

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾[الرحمن: 19-20]﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: 22] مرج أي قرَّب أو خالط بين البحرين ، والمارج هو اللهيب ؛ الذي ليس له دخان ، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: 19] قالوا : البحران هما البحر العذب ، والبحر المالح ، والبحر المالح أكثر كما هو معلوم ، والبحر العذب هي الأنهار ، الله سبحانه يقول : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: 19] أي يختلطان ، ولكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾[الرحمن: 20] لا يبغي بعضهما على بعض أبدا ، النهر يصب في البحر ولكن البحر لا يصب في النهر ، لا يصلح ، يظل النهر حلواً على كثر البحر ، والبحر في مكانه ؛ لا يسيح على الأرض ، يقف فقط ، أحياناً إذا حدثت فيضانات و كذا ساح على الأرض ، إنذارات من الله تبارك ، وإلا الأصل فالبحر يقف مكانه ، حسنا لماذا لا يسيح؟ لماذا لا يستمر؟ خاصة الأراضي التيي تكون متساوية مع البحر مثل الكويت ؛ مساوية لسطح البحر ولكن لا يأتيك البحر سبحان الله ، يقف عند قدميك ويرجع ، لا يسيح. 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾[الرحمن: 19-20] وإن كان البرزخ لا نراه ، برزخ حقيقي لا نراه ، بعضهم يقول : البرزخ هي اليابسة التي تمنع بين البحرين ، وبعضهم يقول : لا ، برزخ لا نراه ، ولذلك الذين يدخلون البحر ، تعرفون البحر؟ داخل البحر يوجد عيون حلوة ، وسط البحر عيون حلوة ، وكان السفار عندما يسافرون في البحر ، يوجد أماكن معينة ينزلون فيها ، يغوصون ، يُخرجون من البحر المالح ماء حلو يشربون منه ، عيون حلوة في البحر ، وأذكر لما زرت إخواننا في البحرين ، يقولون : من مساوئ الدفان أن عيون الماء الحلو ، الذي كنا نأخذ منه ذهبت ؛ بسبب الدفان  ، والعيون غالباً تكون قريبة من اليابسة ، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾ [الرحمن: 19-20] لا يدخل هذا على هذا ، ثم قال : ]﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: 22] هنا وقف أهل العلم ، قال : ]﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: 22] قالوا : واللؤلؤ لا يخرج إلا من البحر المالح ؛ لا يخرج من البحر الحلو ، أي أن الأنهار ليس فيها لؤلؤ ، اللؤلؤ في البحر المالح ، والمرجان في البحر المالح ، فكيف يقول ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾[الرحمن: 22]؟ فبعض أهل العلم قال : هذا على التغليب ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ [الأنعام: 130] مع أن الرسل جميعهم من الإنس ، ليس هناك رسل من الجن ، الرسل كلهم من الإنس ، فقال : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: 130] وهم من الإنس فقط ، قال : فهذا للتغليب ، كما تقول العمران ، وهما ليس عمرين ؛ عمر وأبو بكر ، لكن للتغليب ، القمران ؛ الشمس والقمر للتغليب ، الأسودان ؛ التمر والماء ، وهكذا ، فقالوا : هذا للتغليب وإلا فاللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من البحر المالح ، وقال بعضهم : لا ، الآن العلم الحديث يتحدث عن أمر آخر ، اكتشف أن بعض الأنهار فيها لؤلؤ ، البحر الحلو فيه لؤلؤ ، وان كان نادراً لكن به لؤلؤ ، سبحان الله ، هذا غير اللؤلؤ الصناعي الذي يزرع في الأنهار ، نحن نتكلم عن لؤلؤ طبيعي ، الذي يخرج في المياه الحلوة ، وجد الآن لؤلؤ طبيعي يخرج في المياه الحلوة ، فسواءً قلنا للتغليب أو قلنا على ظاهره ؛ وأنه ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: 22] أي من البحر المالح ومن البحر الحلو ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣﴾ [الرحمن: 22-23]. 

﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: 17] هو واحد  ، هو الله تبارك وتعالى ، والمشرقان والمغربان قالوا : مشرق الشمس ومغربها ، ومشرق القمر ومغربه ؛ هذان المشرقان ، وقال بعضهم : لا ، المشرقان ؛ شروق الشمس في الصيف وشروق الشمس في الشتاء ، والمغربان ؛ مغرب الشمس في الصيف ومغرب الشمس في الشتاء فإن منازلها تختلف ، وجاء في آيةٍ أخرى ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40]  قال : مشارق الشمس لأن الشمس في كل يوم لها مشرق من مختلف ، والمغارب كذلك ؛ كل يوم لها مغرب مختلف ؛ زاوية بسيطة تتحرك فيها الشمس ، أو قال بعضهم : المشارق والمغارب أي مشارق ومغارب النجوم ؛ لأن القضية ليست مرتبطة بالشمس ؛ النجوم كلها وكواكبها تشرق وتغيب ، تشرق وتغرب ، فهذه هي المشارق والمغارب ، وأما ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل: 9] فأصل المشرق وأصل المغرب ؛ جهة المشرق وجهة المغرب ، سبحانه وتعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨﴾ [الرحمن: 17-18]. 

﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٢٤﴾ [الرحمن: 24] الجوار هي السفن ، التي تجري في البحر ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: 164] ، هذه هي الجوار ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٢٤﴾ [الرحمن: 24]  المنشآت التي أنشأها الناس ، كالأعلام أي كالجبال ، وهذا قد يكون في السابق أي تكون السفن كبيرة ، لكن الآن؟ ، الآن السفن سبع طوابق وثمان طوابق  ، فعلاً أعلام الآن ، فالذي لم يكن يرى هذه واضحةً في الزمن السابق ؛ حيث كانت سفن كبيرة نعم لكن طابق طابقين فقط ، لكن الآن سفن ثمان طوابق ؛ عمارات تمشي ، فنادق كبيرة تمشي تحمل لها خمسة آلاف ، أربعة آلاف آدمي ، تسير سفن في البحر ، فنادق عائمة في البحار ، وله ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٢٤﴾ [الرحمن: 24]  كالجبال ، كبيرة ، منشآت أي ينشئها الإنسان ، ويجريها الله تبارك وتعالى ﴿كَالْأَعْلَامِ ٢٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 24-27]  وهنا فائدة في القراءة ، كان السلف يحبون إذا قرأ الإنسان هاتين الآيتين أن يصل بينهما ، لا يفصل بينهما ، فتقرأ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 26-27] تصل بين الآيتين ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦﴾[الرحمن: 26] الكل يموت ، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠﴾ [الزمر: 30] ، كل من عدا الله يفنى  سبحانه وتعالى ، كل من عاداه يفنى ، ولذلك يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾[الفرقان: 58]  وكل من عداه يموت ، قال الحسن البصري : إذا كان يوم القيامة نادى الله تبارك وتعالى إسرافيل أن ينفخ في الصور فيقول : انفخ في الصور ، فينفخ في الصور ، فيهلك جميع من على وجه الأرض ، فينادي الله تبارك يقول : من بقي؟ فيقول ملك الموت : بقيت أنت يا رب وملائكتك ، فيقول اقبض أرواح الملائكة ، فيقبض أرواح الملائكة ، فيقول من بقي؟ يقول : بقيت أنت يا رب وأنا وجبريل ، قال : اقبض روح جبريل ، فيقبض روح جبريل ، فيقول الله له : من بقي؟ فيقول : بقيت أنت يا رب وأنا ، فيقول : مت فيموت ملك الموت ، ثم يقول الله تبارك وتعالى : لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ، الكل ميت ، ثم يعيدها ، لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ، الكل ميت ، لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ، فيرد الله على نفسه فيقول : لله الوأحد القهار. سبحانه وتعالى ، قهر الخلق كلهم ، وأمات الخلق كله ، سبحانه وتعالى ، ثم يقول : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 28-29] ، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 29] سبحانه وتعالى ، يقول النبي ﷺ : (يحيي هذا ، ويميت هذا ، ويفقر هذا ، ويغني هذا ، ويهدي هذا ، ويضل هذا) كل يوم له شأن ، سبحانه وتعالى ، أناس تحيا وأناس تموت ، أناس تغتني وأناس تفتقر ، أناس تشفى وأناس تمرض ، أناس تهتدي وأناس تضل ، أناس تسعد وأناس تحزن ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾[الرحمن: 29] سبحانه وتعالى ، كل يوم له شأن مع خلقه جل وعلا ، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ٢٩ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠﴾ [الرحمن: 29-30]. 

ونقف هنا ، والله أعلى وأعلم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وهذا ليس تدبراً وإنما هذه دعوة للتدبر ، للنظر في كتاب الله تبارك وتعالى ، قراءة تأمل ، قراءة تدبر ، قراءة تفاسير أهل العلم ، حتى نسعد بالقرآن ، نفهم القرآن ، تنشرح صدورنا بالقرآن ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، جزاكم الله خير. 

شارك