تفسير سورة الرحمن الشيخ د.عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ١﴾ [الكهف: 1] ، والصلاة والسلام على نبينا المختار القائل : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، والقائل لأصحابه يوماً : (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان) بطحان مكان في المدينة ، (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان فيرجع بناقتين كوماوين؟) ؛ أي بناقتين عظيمتين. (من غير ما إثم ، ولا قطيعة رحم) سؤال من النبي ﷺ لأصحابه يقول : من يحب كل يوم بعد الفجر يذهب إلى بطحان يعطونه ناقتين كوماوين ؛ ناقتين عظيمتين - كل يوم يذهب يعطونه ناقتين ويرجع - من يحب ذلك؟ (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان ، فيرجع بناقتين كوماوين من غير ما إثم ولا قطيعة رحم؟) ، قالوا : كلنا يا رسول الله نحب ذلك ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]؟ قالوا : كلنا يحب ذلك يا رسول الله ، قال : (لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين خيرٌ له من ناقتين ، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث ، وأربع خيرٌ من أربع ، ومن أعدادهن من الإبل ولكن النفس) انتهى الحديث أخرجه مسلم ، لكن النفس تحب العاجل ، تحب ناقتين ؛ شيء عاجل ، لكن لا تفكر بما عند الله ؛ بما أعده الله للمحسنين سبحانه وتعالى ، إلا من وفقه الله تبارك وتعالى وسدده إلى الخير ، ومن هذا منطلق كان هذا الحديث في هذا اليوم المبارك من أيام شهر رمضان ، في هذا المكان المبارك مع أناسٍ أسأل الله جل وعلا أن يجعلهم مباركين ، أقول من أجل هذا كان هذا اللقاء ، لنتدبر بعض آيات كتاب الله تبارك وتعالى ، خاصةً ونحن نسمع قول الله تبارك وتعالى : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] إذا الله تبارك ذكر لنا سبباً عظيماً لإنزال هذا القرآن ؛ ليتدبروا ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] وهذا شهر القرآن ، والكثيرون يحرصون على قراءة كتاب الله تبارك وتعالى ، والأكثر يحرص على أن تكون له ختمة في هذا الشهر ، وهذا شيءٌ طيب وإن كان هذا لا يفي ؛ لأن من السنة أن تكون لك ختمة في كل شهر ، علم النبي ﷺ عبدالله بن عمرو بن العاص فقال له : (اقرأ القرآن في كل شهرٍ مرة) ، فمن السنة أن تكون لك ختمة في كل شهر ، وفي رمضان أكثر ، وجبريل عليه السلام كان يعارض النبي القرآن في كل رمضان ، وفي السنة التي قبض فيها عرضه عليه مرتين ، على استحباب قراءة القرآن أكثر في رمضان ، يكثر الإنسان من قراءة القرآن ، وكان هكذا هدي السلف ؛ كانوا يكثرون من قراءة كتاب الله تبارك وتعالى ؛ من النظر فيه ، وكلامي معكم اليوم ليس عن كم تقرأ؟ ولكن عن كيف تقرأ؟ لا كم نقرأ؟ وإنما كيف نقرأ؟ لا نتكلم عن الكم وإنما نتكلم عن الكيف ، كيف نستفيد من قراءتنا؟ كيف نعي ما نقول؟ كيف نتدبر كتاب الله تبارك وتعإلى؟ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] وقال لنا سبحانه وتعالى ؛ منبهاً ومحفزاً : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[الحشر: 21] فكأنه يقول فما بالكم أنتم؟ أنا رب العزة أقول لكم : لو أنزلت هذا القرآن على جبل ؛ وهو صخرٌ جلمود ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] هذا الجبل! هذا الجبل! ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] ، وفي المقابل عاب ربنا تبارك وتعالى على من لا يتدبر ، فقال سبحانه وتعالى : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا٢٤﴾ [محمد: 24] لماذا لا يتدبرون؟ وفي الآية الأخرى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا٨٢﴾ [النساء: 82] إذاً تدبر القرآن أمرٌ مطلوب ، وهكذا كان نبينا محمدٌ ﷺ يتدبر كتاب الله تبارك لا مجرد هذٍّ ، مجرد قراءة ، لا وإنما تدبر، يتدبر.

يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما : صليت مع النبي ﷺ ليلة ، فاستفتح بالبقرة ، ثم قرأ النساء فآل عمران في ركعةٍ واحدة ، قريباً من خمسة أجزاء ونصف في ركعة واحدة! مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ١ قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 1-2]  أي كله ﴿ إِلَّا قَلِيلًا٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا٤﴾ [المزمل: 2-4] وقيام الليل يبدأ من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، اقسم على اثنين يطلع لك النص ، انظر كم ساعة كان يقوم النبي ﷺ ؟! ويقول سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20] فكان يقوم الليل ، لكن الشاهد من حديث حذيفة ماذا؟  حسنا قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعةٍ واحدة ، فكان ماذا؟ يقول : فكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله من فضله ، ولا يمر بآية عذاب إلا واستعاذ بالله من شره ، ولا يمر بآيةٍ فيها تعظيمٌ لله إلا عظم الله سبحانه وتعالى ، إذاً يعيش مع القرآن ، يتدبر ما يقرأ ، العبرة بالكيف لا بالكم ، ليس مهماً كم تقرأ؟ لكن مهمٌ جداً كيف تقرأ؟ كيف نقرأ كتاب الله تبارك؟ قام النبي ﷺ ليلةً كاملة - وقد ذكرنا كم كان قيام النبي ﷺ - بآيةٍ واحدة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١١٨﴾ [المائدة: 118] ، احدى عشرة كلمة فقط ، فلا يحتج أحد بترك قيام الليل بحجة لا أحفظ كثيراً ، آية واحدة قام بها الليل كله ؛ يكررها ، يعيدها ، يتدبرها ، يدعو ، وهكذا. سفيان الثوري صلى العشاء ثم قام يصلي إلى أن أذن الفجر بسورةٍ واحدة ؛ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ [التكاثر: 1] من لا يحفظها؟ سورة واحدة يكررها ، يعيدها ، يتدبرها ، يعيش معها ، يدعو وهكذا. ابن عباس رضي الله عنهما قام بآيةٍ واحدة إلى الفجر ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٨١﴾ [البقرة: 281] فقط ، المهم أن نعي ما نقول ، أن نفهم ما نقول ، أن نعيش مع القرآن ، لا مجرد سرد ، القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ الصديق ؛ أحد الفقهاء السبعة ، إمام من أئمة المسلمين ، يقول : دخلت على عمتي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ؛ لأن الرجال والنساء في ذلك سواء ، يقول : دخلت على عمتي عائشة الضحى ، هذا غير غير قيام الليل ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت من العابدات ، يقول : دخلت عليها ضحى ، فإذا هي قائمةٌ تصلي ، فانتظرت حتى تقضي صلاتها ، وكانت تقرأ سورة الطور ، فانتظرت حتى تقضي صلاتها ، يقول : فما قضتها ، فقلت : أذهب إلى السوق أقضي بعض حاجتي ، ثم أرجع إليها ، يقول : فذهبت إلى السوق وقضيت بعض حاجتي ، ورجعت وإذا هي في سورة الطور ، قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ٢٥ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ٢٦ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ  إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ٢٨﴾[الطور: 25-28] يقول : وتبكي ؛ لا تستطيع أن تتجاوزها ، وتدعو تقول : اللهم من علينا وقنا عذاب السموم ، اللهم من علينا وقنا عذاب السموم ، وتلجأ إلى الله ، وتسأل الله تبارك وتعالى ، تقف معها ، تعيدها ، تكررها ، تدعو الله تبارك وتعالى بها ، فالأمر ليس خاصاً بالرجال ، بل الخدم ، الحسن بن صالح كان مشهوراً بالعبادة ؛ من العباد ، وكانت عنده جارية ، خادمة ، مملوكة ، أمة ، فباعها ، فلما استقرت في البيت الجديد ، في آخر الليل طرقت عليهم الباب ؛ باب الحجرة ، فخرج إليها الرجل مفزوعاً ، وقال : أأذن الفجر؟ ، قالت : لا ، ما أذن الفجر ، قال : إذاً لماذا أيقظتنا؟ هل حدث شيء؟ قالت لا، ألا تصلون الليل؟ أنتم لا تصلون إلا الفجر؟ ألا تقومون الليل؟ أنا أيقظتكم لقيام الليل ، قالت : ألا تصلون الليل؟ ألا تصلون إلا الفجر؟ قال : لا ، نحن نصلي الفجر فقط ، قالت : إذاً نم ، ثم لما اصبحت ذهبت إلى الذي باعها ، وقالت له : بعتني إلى قوم سوء ، لا يصلون إلا الفجر ، ردني إليك ؛ أنا مرتاحة عندك ، قيام ليل وصلاة وعبادة ، ردني إليك ، فذهب واشتراها مرة ثانية ، وعادها إلى ملكه. مجتمع كله قيام ليل وجد واجتهاد ، طاووس بن كيسان اليماني ؛ تابعي لم يتشرف بلقيا النبي ﷺ ؛ ولد متأخرا ، وكان تلميذا لابن عباس رضي الله عنهما ، فكان يقوم الليل ، ويتعب من القيام من طوله ، يتعب هذا أمر طبيعي ، عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول عن النبي ﷺ : (كان يقوم حتى تتفطر قدماه ) ، فكان طاووس يقوم الليل حتى يتعب ، فيضرب فخذه بيده يهون عليها ، ويقول : اصبري - تحملي - أيظن أصحاب محمدٍ أن يسبقونا إليه ، والله لنزاحمنهم عليه ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ  وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩﴾ [النساء: 69] رفقة النبي ﷺ ليست خاصة بالذين عاشوا معه ، ممكن أن تكون أنت من رفقاء النبي ﷺ ، ربيعة بن مالك الأسلمي أتى النبي ﷺ ، فقال له النبي : (يا ربيعة سلني) اطلب ماذا تريد؟ (سلني) فقال ربيعة : أسألك مرافقتك في الجنة ، قال : (أو غير ذلك) اطلب أمر آخر ؛ هذه صعبة قليلا ، قوية، (أو غير ذلك؟) قال : هو ذلك ؛ أريد هذه ، فقال له النبي ﷺ : أبشر؟ لا، إنما قال له : (فأعني على نفسي بكثرة السجود) تريد مرافقتي؟ اجتهد ، اتعب على نفسك ، (فأعني على نفسك بكثرة السجود).

وما هذا الدرس أو هذه الكلمات التي بين أيديكم إلا لنسعد بهذا اللقاء ، أن نسعد بمرافقة النبي ﷺ من خلال مدارستنا لكتاب الله جل وعلا ، واخترت لكم أن نتدارس سورةً من كتاب الله تبارك وتعالى اليوم وغداً ألا وهي سورة الرحمن ، هذه السورة الذي التي كان يحب كثيرٌ من أهل العلم أن يسموها عروس القرآن ، وتسمى سورة النعم ، لكثرة ما فيها من النعم التي ذكرها الله جل وعلا ، ومنَّه وفضله على عباده سبحانه وتعالى ، سورة الرحمن ، هذه السورة مكية وقيل مدنية ، هذه السورة هي الوحيدة التي استفتحت باسمٍ من أسماء الله جل وعلا ، لا يوجد سورة افتتاحها اسم من أسماء الله إلا هذه السورة الرحمن ، والرحمن أخص أسماء الله به بعد اسم الجلالة ؛ بعد اسم الله ، أخص أسمائه به ، والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] ، ويقول الله سبحانه وتعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ  هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢﴾ [الحشر: 22] ويقول : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣﴾ [الفاتحة: 1-3] سبحانه وتعالى ، فاسم الرحمن من أخص أسماء الله به سبحانه ، ويأتي دائماً بعد لفظ الجلالة ، يتصدر أسماء الله الحسنى ؛ أسماء الله الحسنى يتصدرها هذا الاسم الرحمن ، على وزن فعلان ، يقول : لإحاطته بالرحمة كلها ، اسم محيط بالرحمة ، مثلما تقول : تعبان أي هلكت ، جوعان ، عطشان ، رويان ، وهكذا غضبان ، هذه الكلمات للمبالغة في الشيء ، فالله اسمه الرحمن ، والرحمن هو الذي وسعت رحمته كل شيء ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: 156] سبحانه وتعالى ، وذكر البعض في اسم الرحمن ، أنه لما كان صلح الحديبية بين النبي ﷺ وقريش ، وكان يمثل قريشاً سهيل بن عمرو ، وكان الذي يكتب الصلح علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال النبي لعلي : (اكتب بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ عنوان) فقال سهيل : لا تكتب بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ، فنحن لا نعرف إلا رحمن اليمامة ، قال : لأنه لم يتسمى باسم الرحمن إلا رجل واحد خبيث ، هو مسيلمة الكذاب ، سمى نفسه رحمن اليمامة ، وإلا اسم الرحمن من الأسماء الخاصة بالله ، لأن الله سبحانه وتعالى قال : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾[يوسف: 43]  ، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: 51] ، فسمى عباده العزيز ، سماه الملك ، قال الله سبحانه وتعالى عن النبي ﷺ : ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٢٨﴾ [التوبة: 128 أي وصفه ، لكن ما وصف عبداً من عباده بأنه رحمن أبداً ، لأنه خاصٌ بالله سبحانه وتعالى ، فقال سهيل بن عمرو : لا نعرف إلا رحمن اليمامة ، اكتب كما كان يكتب آباؤك باسمك اللهم ؛ لا تكتب الرحمن ، لا نعرف الرحمن ، فيقول بعض أهل العلم : طبعاً النبي ﷺ أمر علياً أن يمحوها ، قال : (امحوها ، اكتب باسمك اللهم) ، المهم أن يتم الصلح (اكتب باسمك اللهم) ، فقال علي : لا أمحوها ، والنبي لا يقرأ ولا يكتب ﷺ ، فقال : (ضع يدي عليها) أين هي بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ؟ قال : هذه ، فمحاها النبي بيده ، المهم يتم الصلح ، قال : (اكتب باسمك اللهم) ، فيقول بعض أهل العلم : أنه لما قال سهيل بن عمرو هذا الكلام "لا نعرف الرحمن" أنزل الله تبارك وتعالى ؛ يعرفهم من هو الرحمن قال : ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسَان َ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥﴾ [الرحمن: 1-5] السورة كاملة ، نزلت رداً على هذا وأمثاله ، عندما قالوا : لا نعرف الرحمن ، وعلى كلٍ ، سهيل بن عمرو أسلم بعد ذلك ، هذه السورة جاءت مباشرة بعد سورة القمر ، وسورة القمر ختامها قول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥﴾ [القمر: 54-55] ﴿الرَّحْمَنُ ١﴾ [الرحمن: 1] ، فجاء تناسبها بعد سورة القمر مباشرة ، لأن الله تبارك وتعالى قال : ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥﴾ [القمر: 55] وعندما تسمع ﴿مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥﴾ [القمر: 55] أمر يخوف ، فهون عليهم قال : هو أيضاً ﴿الرَّحْمَنُ ١﴾ [الرحمن: 1] هذا المليك المقتدر هو الرحمن ، فهذا سبب وجود هذه السورة بعد سورة القمر ، وهذا ما يسميه أهل العلم بالتناسب بين السور ، لأن ترتيب السور توقيفي من الله ، هو الذي رتب هذه السور بهذه الطريقة ؛ هذه السورة ، ثم هذه السورة ، ثم هذه السورة وهكذا. الرحمن إنه اسمٌ من أسماء الله تبارك وتعالى ، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ١٦٣﴾ [البقرة: 163].

﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 2] علم القرآن لمن؟ قالوا :علمه جبريل ، أو علمه النبي ، أو علمه الإنس والجن ، أو علمه الخلق كلهم ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 2] لم يذكر من المتعلم ليعم ؛ علم المؤمنين ، علم النبي ﷺ ، علم جبريل عليه السلام ، علم الإنس والجن ، علم مخلوقاته ؛ كل هذا جائز ، ولذلك قال ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] جذعٌ كان يخطب عليه النبي ﷺ فلما تركه أنَّ ، قالوا : لما كان يسمع من الذكر ؛ أي من القرآن ، من كلام الله سبحانه وتعالى ، ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 2] والقرآن هو هذا؟ كلام الله سبحانه وتعالى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] قال أهل العلم : لو نظرنا إلى الترتيب الزمني لوجدنا أن خلق الإنسان قبل تعليم القرآن ، لأن القرآن إنما نزل على محمد ﷺ ، والإنسان هو آدم ، أو جنس الإنسان ، فالإنسان موجود قبل القرآن ، لأن القرآن نزل على محمد ، قرون ، عشرات القرون ، أو أكثر مرت بين آدم وبين محمد ، فخلق الإنسان قبل تعليم القرآن ، فقدم الله تبارك وتعلى هنا ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن: 2] على ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] مع أنه خلق الإنسان قبل تعليم القرآن ، قالوا : راعى الله تبارك وتعالى هنا ترتيب الأهم على الترتيب الزمني ، فتعليم القرآن أهم من خلق الإنسان ، تعليم القرآن هذه المنة العظيمة ؛ أعظم منة يمن الله بها علينا سبحانه وتعالى هي الإيمان ، والقرآن هو كلام الله ، وهو الشرع المنزل من عند الله وتعالى ، فلذلك قدمه على خلق الإنسان لأهميته ، ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾[الرحمن: 2-3] وليس المقصود خلق الإنسان أي أوجده فقط ، لا ، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[الإسراء: 70]  ، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤﴾ [التين: 4] ، ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨﴾ [الانفطار: 7-8] سبحانه وتعالى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] أي على هذه الصورة الجميلة ، على هذه الصورة الحسنة ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣﴾ [الرحمن: 3] بسمعه ، ببصره ، بقوامه في كل شيء ، أحسن خلقه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[السجدة: 7] سبحانه وتعالى ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 3-4] هذه كلها منن ، إنعام من الله تبارك وتعالى يقول : أنا الرحمن ، أنا الذي علمت القرآن ، أنا الذي خلقت الإنسان ، أنا الذي علمته البيان ، أنا الذي أجريت الشمس والقمر بحسبان ؛ ولذلك تسمى سورة النعم ، ما أنعم الله به على الخلق سبحانه وتعالى﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 3-4] البيان ؛ ما يبين عن شيء ، و﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 4] نوعان ؛ يقول أهل العلم البيان نوعان : بيانٌ تبديه ، وبيانٌ تتلقاه. البيان الذي تبديه هو ما تتكلم به أنت ، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢﴾ [الزخرف: 52] يقول فرعون عن موسى عليه الصلاة والسلام : ﴿َلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢﴾ [الزخرف: 52] ، والعرب تقول : نحن أهل البيان ؛ أي أهل اللغة ، كلامنا واضح فصيح دقيق وما شابه ذلك من الأمور ، فالبيان ما تعرب به عن نفسك ، ما تريد أن تقول ، فهذا يقال له البيان ، وبعض الناس عنده بيان قوي كما قال النبي ﷺ : (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) ، فبعض الناس عنده من البيان الشيء العظيم الذي يسحر ألباب الناس ، ولذا قال النبي ﷺ : (إن من البيان لسحرا) بيان يسحر ؛ يذهب بالألباب (إن من البيان لسحرا) هذا هو البيان ، الله تبارك هو الذي من علم الإنسان بهذا ، يعرب عن ما بنفسه ، تصوروا لو أن الإنسان أبكم لا يتكلم ، أوعيي لا يستطيع أن يبين ما يريد ، يتعب جداً ، انظر أنت عندما تسافر بلد لا تعرف لغة أهلها  ماذا يحدث فيك؟ كيف تتعب؟ كيف يفهم ما يقال له؟ إذا كنت تريد أن توصلهم المعلومة فليسوا قادرين أن يفهموك ، ولا أنت تستطيع أن تفهمهم ، تتعب ، الله سبحانه علمك البيان ، تبين عما تريد ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 4] ، والبيان كذلك فهمك لغيرك وسمعك له ، تسمع أعطاك أذناً تسمع بها ، وإدراكاً تفهم به مراد الناس ، فحتى يعيش الناس كذلك يتبايعون يتفاهمون ، تقول ما تريد وأقول ما أريد ، تفهمني وأفهمك ، نعيش عيشة طيبة ، فتصور المجتمع لا أحد يفهم الثاني ولا أحد يكلم الثاني ، لغة الإشارة ، لا ، وإنما بيان ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن: 4]. 

ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ٥﴾ [الرحمن: 5] بحسبان أي بحسابٍ دقيق ، ما قال بحساب وإنما بحسبان أي بحسابٍ دقيق. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا  ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ٣٨ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ٣٩ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠﴾ [يس: 38-40] حساب دقيق من الله تبارك وتعالى ، لا يتصادم نجم مع نجم ، ولا قمر مع قمر ، ولا كوكب مع كوكب أبداً ؛ لأن حساب الله دقيق ، سبحانه وتعالى ، لما قال إبراهيم عليه السلام للنمود : ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258] يقول الله تبارك وتعالى : ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]  بهت ، لا يستطيع ؛ الله هو الذي يأتي بالشمس بحساب دقيق كل يوم ، تشرق الشمس من مكان حدده الله لا تتعداه ، فتخرج من هذا المكان غداً وبعده ، وبعده ، وبعده ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : ﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ٥﴾ [الصافات: 5] كل يوم لها مكان تشرق منه ، ﴿بِحُسْبَانٍ٥﴾ [الرحمن: 5] بحسبان دقيق ، ثم تمشي حتى تصل إلى المغرب فتغرب ، ثم تستأذن ، فيؤذن لها فتخرج من المشرق ، وتغرب وتستأذن ، ويؤذن لها ، حتى يأتي اليوم الذي تستأذن فيه الشمس فلا يؤذن لها ؛ تستأذن إن تعود إلى المشرق فلا يؤذن لها ثم تطلع من المغرب ؛ وهذه علامةٌ من علامات الساعة الكبرى ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ  يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158] ، يقول النبي ﷺ مفسراً لهذه الآية : (هو طلوع الشمس من مغربها) فالآن حساب دقيق تجري عليه هذه الكواكب  ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦﴾[الرحمن: 5-6] الشجر معروف ، وهو ما قام على ساق ؛ أشجار الفاكهة وغير الفاكهة ، هذه الأشجار التي تقوم على ساق ، والنجم قالوا : النجم هو الشجر الذي لا يقوم على ساق ، النباتات الصغيرة هذه ؛ الطماطم ، الخس ، الرويد ، البقل ؛ التي ليس لها ساق تعتمد عليه هذه تسمى النجوم ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦﴾ [الرحمن: 6] لله تبارك وتعالى ، وقال بعض أهل العلم : النجم هو نجم السماء ، وهذا أو هذا كله تطلق عليه اسم النجم ، وهذا يسجد وهذا يسجد ؛ نجم السماء يسجد ، ونجم الأرض يسجد ، والأمر كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾[الحج: 18] الكل لله يسجد سبحانه وتعالى ، الكل يسجد ، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾[الحج: 18] كلها تسجد لله سبحانه وتعالى ، ونحن نصدق الله تبارك وتعالى في قوله أن الكل يسجد لله ، لكن نحن لا ندرك كيف يسجد؟ لضعف إدراكنا ، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] ، إذاً نحن الذين لا نفقه هذا التسبيح ، ونحن الذين لا نفقه هذا السجود ، لكنها تسجد وتسبح لله تبارك وتعالى ، كل شيءٍ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء: 44] أي كل شيء ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ [الإسراء: 44] بضعف إدراككم ، لضعف سمعكم ، لضعف بصركم ، أنتم ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾[الإسراء: 44] لكنها تسبح. أسمع الله تبارك وتعالى الصحابة أنين الجذع لما كان يخطب عليه النبي ﷺ ثم تركه إلى المنبر فأنَّ الجذع ، يقول أنس : كأنين الصبي نسمع أنينه ، والنبي ﷺ يقول : (أعرف حجراً في مكة كان يسلم علي) ، سبحت الحصى بين يديه ﷺ ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] لكن إدراكنا نحن ضعيف ، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها لما جاءت المجادلة ؛ خولة بنت ثعلبة إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها لما ظاهرها ؛ قال : أنت علي كظهر أمي ، تقول عائشة : والله ما بيني وبينها إلا جدار ، لأن بيت عائشة صغير جداً ، نحن نتكلم عن حجرات ؛ بيوت النبي حجرات ، تقول عائشة رضي الله عنها : وما بيني وبينها إلا جدار ، ويغيب عني بعض كلامها ، والله من فوق سبع سماوات قال : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾[المجادلة: 1] سبحانه وتعالى ، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: 1] تقول : فسبحان من وسع سمعه كل شيء ، فكوننا لا ندري ما يحدث في هذا البيت الذي بجانب المسجد ، هنا ولا نسمع الحديث ، لا يجوز لنا أن ننكر أن الناس يتكلمون هناك ، لكوننا لا نسمع ، نحن لا نسمع ؛ لضعف أسماعٍنا ، لكن الله يسمع سبحانه ، نحن لا نسمع تسبيح هذه لكنها تسبح ، لكن نحن لا ندرك ، يقول النبي ﷺ عن الكافرعندما يكون في قبره : (يضرب بمطرقة فيصيح صيحةً يسمعه كل شيء إلا الثقلان) الإنس والجن لا يسمعون ، لكن البقية يسمعون ؛ الحيوانات تسمع هذه الصرخة ، قدرات عند الحيوانات ليست عندنا في السمع في البصر ، ولذا يقيسون الزلازل أحياناً على بعض الحيوانات والطيور ، لأنها تسمع ، نحن لا نسمع  الآن توجد أجهزة ، أنا رأيت جهاز عند صاحبي ، أنا أرى النور فقط ، يقول : يُخرج صوت ، انظر الكلاب ، فرأينا مجموعة من الكلاب فصار يضرب الزر فتلتفت وترفع رأسها ثم يبتعد هنا ويضرب فتلتفت ، قال : تسمع أنت لا تسمع ، هي تسمع أنت لا تسمع ، فهذا مثال بسيط في شيءٍ يسير ، فالنجم والشجر إذاً يسجدان لله تبارك وتعالى ، ولكن نحن لا ندرك كيف تسجد هذه الأشياء ، وبعض أهل العلم قال : ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦﴾ [الرحمن: 6] أي يطيعان ، مذللان خاضعان لأمر الله تبارك وتعالى ، وكلا الأمرين صحيح ، فهما خاضعان ساجدان لله تبارك وتعالى. 

﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٧﴾ [الرحمن: 6-7] السماء رفعها ؛ وهي السقف المرفوع ، رفعها سبحانه وتعالى ، وكل ما علاك فهو سماء ، ولذلك يقول الله تبارك : ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾[الروم: 24] ، والمطر ينزل من الغيم وليس من السماء ؛ لأن الغيم فوقك ، فكل ما علاك فهو سماء يقول العرب ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾[الرحمن: 7] أي عندما تسمع سماء إذاً فوق ،  ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٧﴾ [الرحمن: 7] وضع أي أمر بالميزان ، والميزان هو ميزان العدل ، كما قال الله تبارك : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٧ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٨﴾[الرحمن: 7-8] ألا تحتمل النهي وتحتمل النفي ، تعليل ، النهي ؛ إياكم أن تطغوا في الميزان ، اتقوا الله ، اعدلوا ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣﴾ [المطففين: 1-3] إياكم ، أو ألا تطغوا أي ؛ لأجل أن لا تطغوا في الميزان ، فوضع لكم الميزان أي بالموزون ، لا تطغوا في الموزون ، فوضع لكم الميزان ؛ وهو ما له كفتان ، حتى تعرفوا كيف تبيعون وكيف تشترون ، لأجل أن لا تطغوا ، فلا يشعر أحد بالغبن والظلم ، فيطمئن البائع ويطمئن المشتري ، ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ٩﴾ [الرحمن: 8-9] إياكم ، طالما أنا وضعنا لكم الميزان إذاً تعاملوا بصدق مع هذا الميزان ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾[الرحمن: 8-9] أي بالعدل ، ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ٩﴾ [الرحمن: 9] أي لا تنقصوه ، ثم قال : ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] الأرض هي هذه التي نعيش عليها ، وضعها قالوا : هيأها ، وضعها بمعنى هيأها ؛ وضعت لك الطعام ، وضعت لك الفراش ؛ أي هيأته لك ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] أي هيأها للأنام ؛ فيها احتياجاتهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] هيأها لكم ، وقيل : ﴿الْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾[الرحمن: 10] أي حقرها ، من الوضيعة ، الشيء الوضيع الشيء الحقير ، ولذلك سميت دنيا ، والدنيا من الدناءة ، وكان علي رضي الله عنه يقول : يا دنيا يا دنية ، غري غيري ، طلقتك ثلاثاً ، طلاقاً لا رجعة فيه. وقالوا : من أسمائها الدنيا ؛ لأنها دنيئة حقيرة لا تستحق ، ولذا قال النبي ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء) لأنها دنيئة حقيرة عند تبارك وتعالى ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20] لأنها لا تعدل شيئاً عند الله تبارك وتعالى ، الذي يريد الدنيا يأخذها ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ  قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الأعراف: 32] أي مشاركةً مع الكفار﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] أي للمؤمنين ، فالدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب ، لأنها دنيا حقيرة ، والنبي ﷺ يقول : (ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثلها كمثل راكبٍ قعد تحت ظل شجرةٍ ثم قام و تركها) هذه هي الدنيا ، لا شيء ، وضعها ، ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] أي هيأها ، أو وضعها أي حقرها ، ﴿لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] للمخلوقات الذين يعيشون فوقها ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠﴾ [الرحمن: 10] ثم ذكر بعض نعمه في الأرض ، وإن كانت الأرض في وضعها نعمة من الله تبارك وتعالى ، قال : ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11] فاكهة أي أنواع كثيرة من الفاكهة ، اذهب الآن إلى جمعية أو دكان وانظر إلى الفواكه ، انظر إلى خيرات الله تبارك ، هذا الشيء الذي تعرفه ، والشيء لا تعرفه أيضا قد يكون أكثر ، كل يوم يظهرون لنا من ديرة فاكهة جديدة ، وفاكهة جديدة من البلاد هذه ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11] والنخل فاكهة ، النخل من الفاكهة ، ولكن خص النخل لميزته وأهميته وفضله على جميع الفاكهة ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] حسنا جبريل من الملائكة ، لكن ذكرهما مرةً ثانية للأهمية ، ذكر بعض أفراد العام للأهمية ، وهنا فاكهة ، النخل داخل الفاكهة لكن ذكره وحده لأهميته وفضله ، النبي ﷺ (شبه شجرةً بالمؤمن لا يسقط ورقها ، ثم قال : هي النخلة)  النخلة فيها خير عظيم ولذلك خصها الله بالذكر ، قال : ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11] ذات أي صاحبة ، والأكمام هو الكم ؛ الكم هو ما يغطي طلع الذكر وما يغطي الثمر ، هذا الكم يسمونه الزراع الكفران ، أو الكفر الذي يغطي الطلع ، تفتح الطلع وتخرج منه اللقاح ، ثم تذهب لنخلة تفتحها وتدخل فيها اللقاح ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾ [الرحمن: 11] كم يحفظ طلع الذكر وكمٌ يحفظ الثمر، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١﴾[الرحمن: 11] فيها الأكمام ، أكمام الذكر أو أكمام الآنثى من النخيل. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 11-12] الحب ؛ الحبوب ، الخبز ، الماش ، العدس ، الجريش ، البازلاء ، الفاصوليا ؛ هذا كله حبوب ، ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾[الرحمن: 12]  العصف ؛ الورق ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ٥﴾ [الفيل: 5] أي ورقٍ مأكول ، الورق هذا هو العصف ، ﴿وَالرَّيْحَانُ١٢﴾ [الرحمن: 12] ما يشم ، فذكر ثلاثة أشياء، ذكر الحب مأكول البشر ، وذكر العصف مأكول البهائم ، وذكر الريحان ما تشمه وترتاح إليه ، هذه كلها أمثلة يذكرها الله ، وإلا نعم الله كثيرة لا تحصى ، سبحانه وتعالى ، وإنما يذكر لك بعض الأمثلة ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ١١ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 11-12] الحب لكم ، والعصف لبهائمكم ، والريحان تتمتعون بشمه ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ١٢﴾ [الرحمن: 12]. 

بعدها قال : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] فبأي نعمه تكذبون ، هذه بعض نعم الله تبارك وتعالى ، وستأتيكم نعمٌ أخرى ، ونعمٌ ما ذكرتها ، ونعمٌ لا تعرفونها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] ، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53] نعم الله كثيرة عظيمة سبحانه وتعالى ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾ [الرحمن: 13] أي بأي نعم ، ﴿آلَاءِ﴾[الرحمن: 13] هي النعم ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13] يخاطب الإنس والجن ، جنس الإنس وجنس الجن فثناهما ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] أي بأي نعمٍ تكذبون و تنسبونها إلى غيري؟ كلها منه سبحانه وتعالى ، وفي سورة الواقعة التي تأتي بعدها يقول ربنا تبارك وتعالى مذكراً ؛ بعد أن ذكر أيضاً نعمه على الإنسان : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ٦٣﴾ [الواقعة: 63] ، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ٦٨﴾ [الواقعة: 68] ، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ٧١﴾ [الواقعة: 71] أيضاً نعمه سبحانه وتعالى قال بعد ذلك : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾ [الواقعة: 82] أي تجعلون شكركم تكذيبا؟ يقول ابن عباس : أي تجعلون شكركم تكذيبا؟ أي بدل أن تشكروا الله على هذه النعم تكذبونه؟ أهكذا يكون شكر النعم؟ إن شكر النعم لا يكون إلا بنسبتها إلى المنعم ، والاعتراف بها ، واستعمالها فيما يرضيه سبحانه وتعالى ، هذا هو شكر النعم ، والتحدث بها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١﴾ [الضحى: 11] هذا شكر النعم ، بينما الجاحدون يقول الله تبارك وتعالى : وتجعلون شكركم أنكم يكذبون؟ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾ [الواقعة: 82] شكركم تكذيبا؟ بدل أن تشكروا الله على نعمه تكذبون؟! ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] بأي نعمه تكذبون؟ هذه أو هذه أو تلك؟ نعمٌ تعد لكن لا تحصى سبحانه وتعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] وهذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] تكررت في هذه السورة احدى وثلاثين مرة ، يقول الله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] بعض الناس يقول : لماذا يعيدها كل ساعة؟ يقول أهل العلم : هذا تأسيس ، أي يعطيك النعمة الأولى فيقول : فبأي آلاء ربك؟ انتهت الجملة ، جملة جديدة ، أعطاك النعمة الثانية فبأي آلاء ربك تكذب؟ انتهت ، أعطى النعمة الثالثة ، فبأي آلاء ربك تكذب؟ انتهت ،أعطى النعمة الرابعة ، فكل جملة جديدة لوحدها ، هذه نعمة لا تكذب بها ، وهذا معروفٌ في كلام العرب للتأكيد على الفضل ، كأن تقول لإنسان أنت رعيته واهتممت به فتقول له : فلان ألم أساعدك؟ فهل تنكر؟ ألم أعطك من المال؟ فهل تنكر؟ ألم أزوجك ابنتي؟ فهل تنكر؟ ألم أبني لك بيتا؟ فهل تنكر؟ ألم أساعدك في وظيفتك؟ فهل تنكر؟ ألم أخرجك من المشكلة تلك؟ فهل تنكر؟ فهذه هل تنكر؟ ليست تكراراً ، وإنما كل نعمة على حدى ، فكذلك هنا كل نعمةٍ على حدى فتؤسس لها قولاً جديداً ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13] ولذلك كررت هذه الآية في هذه السورة القصيرة احدى وثلاثين مرة ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣﴾ [الرحمن: 13]. 

قال سبحانه وتعالى : ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾ [الرحمن: 14-15] ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾[الرحمن: 14] لو نظرنا إلى خلقك أنت وخلقي أنا ، فنجد أن الله تبارك يقول : ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى٤٦﴾ [النجم: 46]  ،﴿نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى٣٧﴾[القيامة: 37] ، من ماءٍ مهين ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ٣٦ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ٣٨﴾ [القيامة: 36-38] فنحن من نطفة ، نحن من ماء مهين ، الذي هو النطفة ، المني ، هذا أنا وأنت ، لكن عندما نرجع إلى أصل خلق الإنسان وهو آدم ، عليه الصلاة والسلام فإن الله جل وعلا يقول : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] وليس من نطفة ؛ لأنه ليس قبله أحد تؤخذ منه النطفة ، وإنما آدم من تراب ، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٥٩﴾ [آل عمران: 59] هذه يكون فيكون مرت بمراحل ؛ من تراب ، ثم من طينٍ لازب لما ألقي على التراب الماء فصار طيناً لازباً ، ثم صار حمئاً مسنوناً ، ثم صار صلصالا ، ثم صار فخاراً ، ثم صوره ، ثم نفخ فيه الروح ، فهذا خلق الإنسان ، هكذا خلق الله الإنسان سبحانه وتعالى ، والله قادر كن فيكون و ينتهي الأمر، ولكن أراد ربنا سبحانه والعلم عند الله ، أراد أن يبين لنا أن كل شيءٍ تصلون إليه بالتدرج ، هكذا ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 14] سبحانه وتعالى ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾[الرحمن: 14] إذاً هو آدم ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ١٤﴾ [الرحمن: 14] لأننا نحن من نطفة من مني ، أما آدم فنعم ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤﴾ [الرحمن: 14] والصلصال هو الطين اليابس ، اليابس إذا ضربته يكون مثل الفخار ، يخرج صوت ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾ [الرحمن: 14-15] الجن خلقوا من نار ، كما قال النبي ﷺ : (إن الله خلق الملائكة من نور ، وخلق الجن من نار ، وخلقكم مما وصف لكم) أي في الكتاب العزيز ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢﴾ [الأعراف: 12] فإذاً الجن خلقوا من نار ، وقوله : ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ [الرحمن: 15] قال أهل العلم : المارج هو اللهب الذي ليس فيه دخان ، ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾[الرحمن: 15] أي لهب من النار ليس فيه دخان ، هذا أصل خلق الجن ، وليس الجن الآن واحد يقول : الجن لا نراه ، لو نار كنت رأيته نار تمشي ، لكن هذا أصل خلقه ، كما أن آدم أصل خلقه من تراب ، كذلك أصل خلق الجن من نار ، لكنه الآن لا تراه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27] لا نرى الجن ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦﴾ [الرحمن: 14-16] ، ثم قال ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: 17] قالوا : المشرقان مشرق الشمس ومشرق القمر ، والمغربان مغرب الشمس ومغرب القمر ، لأنهما ذكرهما في البداية قال : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥﴾ [الرحمن: 5] لأهميتهما للبشر أو ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: 17] مشرق الشمس في الشتاء ومشرق الشمس في الصيف ، ومشرق القمر في الشتاء ومشرق القمر في الصيف ، مشرق الكواكب في الشتاء ومشرق الكواكب في الصيف ، فهو مشرقان ومغربان ، وفي أيةٍ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40] قالوا : المشارق والمغارب هي مشارق النجوم ، ومغارب النجوم ، كل شيء يشرق ويغرب ، حتى أنت أيها إلآدمي تشرق وتغرب ، تعيش وتموت ، إشراقك حياتك ، وغروبك موتك ، كل شيء يشرق ويغرب ، نبي الله إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً  إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٧٤ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا  قَالَ هَذَا رَبِّي  فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي  فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨﴾ [الأنعام: 74-78] أفل أي غاب ، أنا لا أحب إلهاً يأفل ، أنا لا أقبل إلهاً يأفل أبداً ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾[المعارج: 40] كل شيءٍ يشرق ويغرب إلا الله هو ربها ، فلا يشرق ولا يغرب ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾[الحديد: 3] سبحانه وتعالى ، وجاء معنى آخر ؛ رب المشارق والمغارب أي مشارق الشمس ، كل يوم تشرق من مكان غير المكان الذي أشرقت منه بالأمس ، وهكذا تنتقل من مكان إلى مكان ، وجاء في آيةٍ أخرى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل: 9] قالوا : أراد جهة المشرق وجهة المغرب ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾[المزمل: 9] ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: 17] رب أي المالك المسيطر الحاكم سبحانه وتعالى ، الرب في لغة العرب تأتي على أربعة معاني ، تأتي الرب من التربية ، ولذلك يقول وزارة التربية ، الرب من التربية ، يقول الله تبارك : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] ربائبكم اللاتي تربونهن ، فيقال : فلان ربيب فلان أي الذي رباه ، ومحمد بن أبي بكر الصديق قالوا : هو ربيب علي ؛ علي هو الذي رباه ، ويقال لسلمة  بنت أم سلمة : ربيبة النبي ، النبي رباها لأنه زوج أمها ، فولد الأم عند زوج أمه يكون ربيباً ، فهذا الربيب من التربية. وتأتي الرب بمعنى الإصلاح ، رب الشيء بمعنى أصلحه ، تقول : رببت الدلة أصلحتها ، رببت الشيء أصلحته ، وتأتي الرب بمعنى المالك ، تقول : أنا رب البيت ، يقال المرأة ربة بيت ، رب البيت أي مالك البيت ، رب الشيء مالكه ، كما قال عبد المطلب لأبرهة لما أراد أن يهدم الكعبة ، قال : أنا رب الإبل ، وللبيت ربٌ يحميه ، فرب الشيء صاحبه ، مالكه ، أنا رب هذه الساعة أي مالكها ، ورب كل شيءٍ مالكه. فتأتي الرب بمعنى المتصرف المالك ، وهذه لا تكون إلا لله رب العالمين سبحانه وتعالى ، وهنا ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: 17] بهذا المعنى ، أي مالكهما ومسيرهما سبحانه وتعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩﴾ [الرحمن: 17-19] 

يقول الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩﴾ [الرحمن: 19] مرج ؛ قارب ، خالط ﴿الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩﴾ [الرحمن: 19] ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾ [الرحمن: 20] برزخ قد تراه وقد لا تراه ، برزخ أي حاجز ، يحجز هذا ، والبحران هما البحر العذب والبحر المالح ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾ [الرحمن: 20] لا يختلطان ، لا يبغي أحدهما على الآخر أبداً ، ترى النهر يصب في البحر ، لكن البحر لا يصب في النهر ، ترى أحياناً وسط البحر؛ بحر مالح ، كله مالح تجد فيه عيون حلوة لا يدخل عليها الماء المالح ؛ عيون عذبة في البحار! ، وأهل السفر يعرفونها ، يسافرون ينزلون في السفر إلى عيون ماء وسط البحر، يأخذون منها ماء حلو يشربون منه ، حتى أذكر عندما زرت البحرين ، يقول : البحرين فيها دفان كثير ، يقول : من مساوئ الدفان عندنا أنه يخفي علينا عيون الماء الحلوة التي في البحر ؛ كل عيون الماء الحلوة التي في البحر راحت علينا بسبب الدفان ، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩﴾ [الرحمن: 19] البحر المالح والبحر العذب ، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾ [الرحمن: 20] أي لا يظلم أحدهما الآخر ، لا يوجد بغي لا يوجد ظلم ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: 9] ظلمت ﴿لَا يَبْغِيَانِ ٢٠﴾ [الرحمن: 20] أي لا يظلم أحدهما الآخر ، كلٍ يسير في دربه وطريقه ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: 19-22] ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَ﴾ [الرحمن: 22] أي من البحرين ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: 22] ، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ  وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] فإذاً هذان البحران ، هذا تأخذون منه حلية ، وهذا تأكلون منه وهذا تأكلون منه ، هذا عذب وهذا مالح ، المشهور عند كثيرٍ من أهل العلم : أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا في البحر المالح ، الأنهار ليس فيها لؤلؤ ، البحار الحلوة ليس فيها لؤلؤ ولا فيها مرجان ، والمرجان قيل هو صغار اللؤلؤ ، وقيل هو كبار اللؤلؤ ؛ أي اعكسها ، اللؤلؤ هو الصغار والمرجان هو كبار اللؤلؤ أو العكس ؛ اللؤلؤ هو الكبار والمرجان هو صغار اللؤلؤ ، ربما هذا أو هذا ، فالمرجان أيضاً حلية يتحلى بها الإنسان كاللؤلؤ ، يقول : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾[الرحمن: 22] ، بعض أهل العلم قال : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾[الرحمن: 22] أي من أحدهما ، كما تقول : أكلت تمراً ولبناً ؛ أنت أكلت تمر وشربت لبن ، ما أكلت لبن ، هل هناك أحد منكم يأكل لبن؟ إلا إذا كنت تجمده وتأكله ، لكن اللبن يشرب ما يؤكل ، كما يقول : علفتها تبناً وماء باردا ، علفتها تبنا ، لكن سقيتها ماء ، قال : يصح عند العرب مثل هذا الأمر ، قالوا : كذلك يخرج منهما أي من أحدهما ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾[الأنعام: 130] والرسل كلهم من الإنس ، لا يوجد رسل من الجن ، مع أنه قال ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، لكن منكم من الإنس ، من أحدكما ، قالوا : كذلك هنا ، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: 22] أي من أحدهما ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ٢٢﴾ [الرحمن: 22] لكن إذا كانت الآية تحتمل أنه يخرج منهما ، ثم الآية الأخرى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ  وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] من كلٍ وإن كان البعض أيضاً يحمل هذا ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾[فاطر: 12]  لكن ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾[فاطر: 12] من واحد منهما ، على كل حال ، هذا أو هذا ، إذا كانت الآية تحتمل تضم الأمرين ، لأن الذين فسروا الآية من أهل العلم  فسروها بما يعرفون ، أنهم الذي يعرفونه أنه لم يروا أبدا لؤلؤ يخرج من الأنهار ، وإنما اللؤلؤ يخرج من البحار ، الآن في زماننا - في الصين - يزرعون اللؤلؤ في الأنهار ، لكن هذه الزراعة أيضاً يقول : هذا ليس طبيعي ، هذا أنت الذي زرعته ، في بعض البلاد ؛ في أمريكا الجنوبية الآن ، ذكروا أنه يوجد أنهار فيها لؤلؤ حقيقي طبيعي وليس زرعاً ، ويباع ولكن أثمانه أغلى من اللؤلؤ الطبيعي ، لكن يخرج لؤلؤ طبيعي من مياه حلوة ، وهذا هو الأظهر ، هذا ظاهر الآية ، فنأخذ بظاهر الآية ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾[الرحمن: 22] أي من البحرين ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ٢٢﴾ [الرحمن: 22].

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٢٤﴾ [الرحمن: 23-24] الجوار هي السفن التي تجري في البحر ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: 164] الجوار هي الفلك  ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾[الرحمن: 24] المنشآت ؛ التي أنشأها الناس ، أنت أنشأتها ، نحن نصنع السفن ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: 38] أنتم تصنعون الفلك ، ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الرحمن: 24] أي تسير في البحر ﴿كَالْأَعْلَامِ٢٤﴾ [الرحمن: 24] أي كالجبال ، في زمن النبي ﷺ و زمن الصحابة ، كان يوجد سفن كبيرة لكن ليس كالجبال ، لكن الآن رأيناها ، الآن سفن فنادق ، سبع طوابق ، ثمان طوابق ، من رأى أعلى شي؟ أحد عشر؟! ستة عشر ، إذا هذه أليست جبل يمشي ، سفينة ستة عشر طابق! سفينة كالأعلام ، أي كالجبال ، تسير بالبحر كالجبال ، وله الجواري المنشأت ، أنتم أنشأتموها ، لكن هو الذي يجريها سبحانه وتعالى. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ٢٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ٢٥ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 24-27] نقف عندها. 

والله أعلى وأعلم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وجزاكم الله خير.

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] الحمد لله الذي من علينا بمننٍ عظيمةٍ جدا ، الحمد لله الذي قدر فهدى والذي خلق فسوى ، الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطنا ، الحمد لله على نعمه التي تعد ولا تحصى ، الحمد لله حتى يرضى ، والحمد لله إذا رضي ، والحمد لله بعد رضا ، والصلاة والسلام على رسوله أمين الخاتم ، وعلى آله وصحابته ومن سار على دربه إلى يوم الدين ، أما بعد ، فتكلمنا بالأمس عن فضل القرآن الكريم وفضل تدبره بل أهمية تدبره ، وذكرنا أمثلة على ذلك من تدبر النبي ﷺ وأصحابه ، ومن جاء بعدهم من سلف هذه الأمة المباركة ، ثم تطرقنا إلى الحديث عن سورة الرحمن ، التي يقال لها عروس القرآن ، سورة النعم ، التي ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز ، وصدرها باسمه "الرحمن"  وقلنا هي السورة الوحيدة التي صُدرت باسمٍ من أسماء الله تبارك وتعالى. 

ووقفنا عند قول الله جل وعلا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 26-27] ويستحب أهل العلم إذا قرأ العبد هاتين الآيتين ألا يقف بينهما ؛ أن يصل الآية الثانية بالآية الأولى ، فتقرأ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 26-27] توصل الآية الثانية بالآية الأولى ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦﴾[الرحمن: 26] "من عليها" الضمير يعود إلى الأرض ، كل من على الأرض يفنى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠﴾ [الزمر: 30] ، كل من يعيش على هذه الأرض يفنى ، بل وكل من يعيش في السماء يفنى ، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى ، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] ، ولذلك قال هنا : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 27] الكل يفنى ، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠﴾ [الزمر: 30] ، ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ٣٤﴾ [الأنبياء: 34] ، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: 34] ، لا يخلد أحد ، ولا يبقى إلا الله الأول والآخر سبحانه وتعالى ، وذكرنا دليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ذكر الشمس والقمر والكوكب قال : ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76] ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 77] ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام: 78] فكل شيء يأفل ، ويغيب ، ويموت ، وينتهي ، ولا يبقى إلا الله تبارك وتعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾[القصص: 88] ، وقد ذكر كعب الأحبار أنه عندما يكون يوم القيامة ويؤمر إسرافيل بالنفخ في الصور ، فينفخ ، فيهلك كل من على وجه الأرض ، فينادي الله تبارك وتعالى ملك الموت ، ويقول : من بقي؟ يقول : بقيت أنت يا رب وملائكتك ، فيقول : اقبض أرواح الملائكة ، فيقبض أرواح الملائكة ، فيقول : من بقي؟ فيقول : بقيت أنت يا رب ، وجبريل وأنا ، فيقول اقبض روح جبريل ، فيقبض روح جبريل - والله أعلم - ويقول له : من بقي؟ فيقول : بقيت أنت يا رب وأنا ، فيقول الله له : مت ، فيموت ملك الموت ، فلا يبقى أحد إلا الله ، ثم ينادي رب العزة تبارك وتعالى ويقول : لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ؛ الكل ميت ، ثم يعيدها الثانية : لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ؛ الكل ميت ، ثم يعيدها الثالثة: لمن الملك اليوم؟ فلا يرد أحد ، فيرد الله على نفسه ويقول : لله الواحد القهار سبحانه وتعالى ، الكل يموت ولذا يقول ربنا تبارك وتعالى : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾[الفرقان: 58] سبحانه وتعالى ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦﴾ [الرحمن: 26] هالك ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 27] أي يبقى ربك ؛ لأن الله لا يتجزأ سبحانه وتعالى ، وإنما ذكر وجهه سبحانه وتعالى ليصفه فقال : ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 27] فوجه الله له جلالٌ وإكرام ، ولذا أعظم نعمةٍ يُعطاها أهل الجنة بعد دخول الجنة وبعد رضا الله عليهم أن يكشف الله الحجاب عن وجهه فيرون الله سبحانه وتعالى ، وكان من دعاء المؤمنين "نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم" ، يقول النبي ﷺ : (بعد أن يدخل أهل الجنة يأتيهم الله سبحانه وتعالى فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى يا رب ، وقد غفرت لنا وأدخلتنا الجنة) قال : (فيكشف عن وجهه سبحانه ، فلا يرون أنهم أعطوا نعمة أعظم من هذه النعمة) وهي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ، في الدنيا الآن لا يحتمل أحد النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ، لا يمكن ، يقول النبي ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما يصل إليه بصره) وبصره يصل إلى كل شيء سبحانه وتعالى ، ولما قال كليم الله موسى عليه السلام : ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ  قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] فالله لما قال سبحانه وتعالى لموسى : ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] أي لا تحتمل ، لا تستطيع ، وسأضرب لك مثالا هذا الجبل الصخر الجلمود سأتجلى له ، سأكشف الحجاب عن وجهي للجبل ، انظر ماذا يحصل للجبل؟ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143]. فلما رأى موسى ما رأى خر صعقا ، فالله إذا ما منع موسى حرمانا ، وإنما منع موسى رحمة سبحانه وتعالى ، ولما عرج بالنبي الكريم ﷺ إلى السماء ، قيل له : هل رأيت ربك؟ قال : رأيت نوراً ؛ وهو الحجاب الذي جعله الله تبارك بينه وبين عباده جل وعلا ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 26-27] هذا الوجه له جلال وله إكرام ، وسيأتينا في آخر السورة قول الله : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ٧٨﴾ [الرحمن: 78] هنا قال : ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾ [الرحمن: 27] هناك قال : ﴿ذِي﴾ [الرحمن: 78] ، فهنا لما كان الوصف للوجه قال : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو﴾ [الرحمن: 27] ذو ؛ وجه ؛ مرفوع ، فالوجه هو ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾[الرحمن: 27] بينما في آخر السورة يقول : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي﴾ [الرحمن: 78] لأن الرب اسم الرب ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ٧٨﴾ [الرحمن: 78] فهنا وصفٌ للوجه ، فهو وجهٌ يليق بربنا تبارك وتعالى ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 27-29] يسأله ؛ يطلبه ، أنت تسأل ، وأنا أسأل ، وعبيد يسأل ، وحصة تسأل ، وخالدة تسأل ، ومحمد يسأل ، ويوسف وعلي ، والمؤمن والكافر ، والإنس والجن ، والبشر والبهائم ، الكل يسأل الله سبحانه وتعالى ، خرج سليمان عليه السلام يستسقي لبني إسرائيل فوجد نملةً قد نامت على ظهرها ورفعت قوائمها إلى السماء، وخرج يستسقي ، فقال : سقيتم بدعوة غيركم ، فرجعوا وسقوا بدعوة هذه النملة ، الكل يسأل الله سبحانه وتعالى ، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾[الرحمن: 29] وهو واحد سبحانه وتعالى ، ويجيب الجميع ، ويسمع الجميع سبحانه وتعالى ، ثم قال : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 29] سبحانه وتعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 29] يحي هذا ، ويميت هذا ، ويغني هذا ، ويفقر هذا ، ويشفي هذا، ويمرض هذا ، ويهدي هذا ، ويضل هذا ، ويعطي هذا ، ويمنع هذا ، ويفعل ما يشاء سبحانه وتعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 29] خلقٌ كثير يسألون الله تبارك وتعالى ، ويفعلون الطاعات ، ويفعلون المعاصي ، وهو كل يوم معهم سبحانه وتعالى يقول : إني لا أنام ولا ينبغي أن أنام سبحانه وتعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩﴾ [الرحمن: 29]

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١﴾[الرحمن: 30-31] سنفرغ تأتي على معنيين في لغة العرب ؛ الفراغ بعد الشغل ، أنا مشغول الآن عندما أفرغ ، وتأتي نفرغ أي لأقصدنك لكن بدون شغل ، لست مشغولاً ، وهذا هو المقصود هنا ، لأن الله تبارك وتعالى حدد يوماً وهو يوم القيامة ، وقال إبليس : ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٨٠ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٨١﴾ [ص: 79-81] والله تبارك يقول : سيأتي اليوم ، سنفرغ لكم أي سيأتي اليوم للقضاء ، وسأقضي بينكم أيها الثقلأن ؛ فليس المقصود هنا سنفرغ بعد انشغالنا ، فالله لا يشغله شيء سبحانه وتعالى ، ولكن كما قال أهل اللغة قالوا : يأتي نفرغ بمعنيين ، إما نفرغ بعد شغلٍ ، وإما نفرغ على سبيل التهديد ؛ لأفرغن لك أي لأفعلن ولأفعلن بك ، على سبيل التهديد ، وهي هناك كذلك ، ولكن لأن الله تبارك وتعالى حدد يوماً وهو يوم القيامة  لذلك لن يقضي قبله أبداً حتى يأتي ذلك اليوم ، والثقلأن هم الإنس والجن  ، كما قال النبي ﷺ عن الكافر عندما يوضع في قبره (ويضرب بمطرقة على رأسه يصيح صيحةً يسمعه كل شيء إلا الثقلأن) وهم الإنس والجن.  ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا  لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨﴾ [الرحمن: 31-38] هذه الآيات تتكلم عن وقتٍ معين ، ويخطئ كثيرٌ من الناس عندما يفسر هذه الآية ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣﴾ [الرحمن: 33] يفسرونها أنكم تنفذون من أقطار السماوات والأرض في هذه الدنيا ، لا تنفذون إلا بسلطان ؛ سلطان العلم أو أن الله يأذن لكم ، هذا كله غير صحيح ، ولا قاله أحد من المفسرين أبداً ، وإنما الكلام كله عن يوم القيامة ، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: 31] أي في يوم القضاء ؛ يوم القيامة ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣﴾ [الرحمن: 33] يوم  القيامة ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] يوم القيامة  ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ٣٧﴾ [الرحمن: 37] يوم القيامة ، فالكلام كله عن يوم القيامة ، عن يوم العرض ، عن يوم الحشر ، عن يوم الجمع ، عن يوم التغابن ، وليس عن هذه الدنيا أبداً ، حتى يفسرها البعض بأنه  السلطة هي العلم ، أو الإذن هو الإذن من الله أن يصعدون إلى السماء ، لا ، الله يتكلم عن ذلك اليوم العظيم سبحانه وتعالى ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾[الرحمن: 33] وذكر الجن قبل الإنس لأن القدرات عند الجن أكبر ، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9] عندهم قدرة ، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾[النمل: 39] لهم قدرات ، الجن أقوى من الإنس في هذه القدرات ، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ٨﴾ [الجن: 8] فلذلك قدمهم ، وقال بعض أهل العلم : إنما قدمهم لأنهم أقدم بالخلق ؛ لأن الجن خلقوا قبل الإنس ، فأبو الإنس آدم وإبليس قبله ، وإبليس أمر بالسجود لآدم عندما خلق صلوات ربي وسلامه عليه ، فالآية إذا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[الرحمن: 33] يوم الجمع ، عندما يجمع الخلق ، ولذلك كان الخطاب هنا لجميع الجن والإنس ، لأنهم في ذلك اليوم كلهم مجموعون ، يوم الحش ؛ الأول والآخر ، كل الإنس والجن ، كلهم مجموعون ثم يكون الخطاب لجميعهم ، يا معشر الجن والإنس كلهم ، أما أن يكون الخطاب الآن ، حسنا أين الجن والإنس الذين ماتوا؟! أو الخطاب غداً ، أين نحن من هذا الخطاب؟ وإنما الخطاب لجميع الإنس والجن في ذلك اليوم ؛ يوم الحشر ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: 33]  والجن سمي الجني جنياً من الاختفاء ، والجنة يقال لها جنة لأنها تحيط بها الأشجار من كل مكان حتى لا يرى ما بداخلها ، وتقول : هذا مجن الذي يخفي ما وراءه ، فالجن سموا بالجن لأنهم لا يرون ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27] مستجنون مختبئون ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن: 33]  عندما يؤمر بالزبانية ويقال : خذوهم إلى النار ، هيا انفذ ، اهرب ، من يستطيع أن يهرب الآن؟ ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: 33] أي في ذلك اليوم ، حيث يؤمر بهم إلى نار جهنم ، لأن المؤمنين لن يحاولوا الهرب لأنهم سيساقون إلى الجنة  ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [الزمر: 73] لكن هؤلاء الذين يساقون إلى النار ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾[الرحمن: 33]  أن تهربوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: 33] وهذا الأمر فانفذوا ، ليس أمراً ليفعلوه ، وإنما هذا أمر تعجيز ، ولذا قال بعدها : ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣﴾ [الرحمن: 33] وما معكم سلطان ، أي قوة ، ما معكم قوة ، القوة لله سبحانه وتعالى ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣﴾[الرحمن: 33] ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[الرحمن: 33] أي محيطها محيط السماوات والأرض في ذلك اليوم ؛ في يوم الحشر ﴿ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: 33] أمر تعجيز ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٣٣ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤﴾ [الرحمن: 33-34] ثم ينبه قال : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾[الرحمن: 35] أي الذي يحاول أن يهرب لن يستطيع ،  ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] أي أحد يحاول سيرسل عليه شواظ من نار ؛ أي لهيبٌ من نار ، ونحاسٌ أي ويرسل عليه نحاس. ، وفي قراءة : يرسل عليه شواظٌ من نارٍ ونحاسٍ ؛أي شواظٌ من نار وشواظٌ من نحاس ، أو شواظٌ من نار ونحاس ؛ أي إما أن يقال: يرسل عليه شواظٌ من نار ويرسل عليه نحاس ؛ وهو النحاس المذاب ، أو يرسل عليه شواظٌ من نار وشواظٌ من نحاس ، فنحاس جاءت مرفوعة وجاءت مجرورة ؛ نحاسٌ أو نحاسٍ ، وكذلك ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١﴾ [الرحمن: 31] جاءت فيها قراءتان ؛ سنفرغ وسيُفرغ بدون ذكر الفاعل ، سيُفرغ لكم أيها الثقلأن ، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] يرسل عليكم جمع ، فلا تنتصران مثنى وهنا جمع ، قال أهل العلم : يخاطبهم الله مرةً ، هما مجموعة الإنس ومجموعة الجن ، ولكن كل مجموعة فيها أفراد كثر ، فلذلك يخاطبهم بالجمع سبحانه وتعالى ، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾[الرحمن: 35] أي الإنس والجن ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] أي الإنس والجن يرسل عليكم بأفرادكم ، سواءً الإنس كلهم أو الجن كلهم ، أقصد الكفار أو الذين يريدون الهرب ، يرسل عليكم شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] ، كما قال الله تبارك : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] الخصمان أي فريقان ، فريقان وإلا هنا ثلاثة وهنا ثلاثة ، هنا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ، وهناك شيبة وعتبة والوليد بن عتبة ، فريقان فسماهم هذان ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: 19] وهنا كذلك ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٣٥﴾ [الرحمن: 35] أي لا ينصر بعضكم بعضا ، ولا ينصر بعض نفسه أبداً. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦﴾ [الرحمن: 36]  وهنا البعض قال : أين الآلاء؟ عذاب ؛ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 35] أين الآلاء؟ قال بعض أهل هنا المقصود القدرة ، وبعضهم قال : لا ، حسنا أين الآلاء؟ الآلاء للمؤمنين ، يقول : انظروا من نعم الله عليكم أنتم لستم كمثلهم ، من نعم الله أنتم منجون ، أنتم سالمون ، أنتم إلى الجنة تسيرون ، هؤلاء يعذبون ، هذه من نعم الله تبارك وتعالى. 

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧﴾ [الرحمن: 37] ، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ٨﴾ [المعارج: 8] وهنا يقول : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧﴾ [الرحمن: 37] المهل ؛ الدهن ، ولا تعارض بين الآيتين ، والدهن الرديء في لونه ورائحته و حقيقته ، هو الدهن الردي ، وهنا قال : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧﴾ [الرحمن: 37] وردة يعني حمراء ، تنشق السماء فتكون حمراء ، كالدهان أي ذائبة ؛ حمراء ذائبة ، كالوردة الحمراء ذائبة ، وهناك قال : ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ٨﴾ [المعارج: 8] أي الزيت المذاب ، هو واحد ، هنا وهنا واحد ، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢﴾[الانشقاق: 1-2] السماء تنشق بأمر الله سبحانه وتعالى ، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾[الرحمن: 37] فإذا جاء  ذلك اليوم وانشقت فيه السماء﴿فَكَانَتْ﴾ [الرحمن: 37]  أي السماء ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧﴾ [الرحمن: 37] وردة أي حمراء ، كالدهان أي كالدهن الذائب المذاب ، الرديء ، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ٨﴾ [المعارج: 8] وهو الدهن الرديء ،  في رائحته ولونه ، كدر ، هذا اليوم سيأتي ، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩﴾ [الرحمن: 37-39] في هذا اليوم ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩﴾ [الرحمن: 39] وقال الله في آيةٍ أخرى : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢﴾ [الحجر: 92] ، قال أهل العلم : هذا في وقت وهذا في وقت ، في وقت لا يسألون ، وقال بعضهم : لا يسألون سؤال استفهام ، وإنما يسألون سؤال توبيخ ؛ لأن الملائكة تعرف ، مكتوب كل شيء ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ١٨﴾ [ق: 18] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: 10-11] فلا يسألونهم سؤال استفهام ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩﴾ [الرحمن: 39] أي لا يسأل سؤال استفهام ؛ فعلت ولا ما فعلت؟ لا والذي يسألون به هو سؤال التوبيخ والتقريع ، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢﴾ [الحجر: 92] توبيخ ، فعلتم كذا؟ لماذا فعلتم كذا؟ ولا ينتظر منهم جواباً ، وإنما هو سؤال توبيخ للعقوبة ، أو لا يسألون ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ [الرحمن: 39] أي سؤال ليقدموا أعذارهم ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ٣٦﴾ [المرسلات: 36] لا يوجد عذر ، انتهى العذر الآن ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ [الرحمن: 39] أي في ذلك اليوم ، يوم القيامة ﴿ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾[الرحمن: 39-41]يعرفون بسيماهم ، ما هي السمة؟ سيماهم ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ١٠٢﴾ [طه: 102] عيونهم زرقاء ، سيماهم ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] وجوهٌ سوداء ، سيماهم عليهم الذلة والخوف والكآبة والحزن هذه سيماهم ، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: 41] ما يحتاج هذا مجرم  أم هذا صالح  يظهر ؛ عين زرقاء وجهٌ أسود كآبة حزن كدر هم  ، فهو معروف ، ولذا من علامات الساعة (عندما تخرج الدابة تسم الناس ، ويكتب على جبهة المؤمن مؤمن ويكتب على جبهة الكافر كافر) انتهى ، واضح ، يعرف ، لا يحتاج أن يسأل أنت مؤمن أم كافر؟ معروف ، له سمة معينة واضحة ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ٤١﴾ [الرحمن: 41] النواصي هذه الرؤوس ؛ الشعر المقدم في مقدمة الرأس هذه الناصية ، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ١٥﴾ [العلق: 15] هذه الناصية. والأقدام معروفة  ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ٤١﴾ [الرحمن: 41] قالوا : يجر من شعره إلى قفاه ، ومن رجله إلى قفاه ، ويمسك من شعره ورجله ويقذف في نار جهنم ، أعاذنا الله وإياكم منها ، أي يؤخذ بنواصيهم وأقدامهم على ظهورهم بعكس ثم يلقون في نار جهنم والعياذ بالله ، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ﴾[الرحمن: 41] أي هؤلاء المجرمون ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ٤١ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ٤٤﴾ [الرحمن: 41-44] هذه جهنم ؛ كأنه سائل ، يسأل : ما هذه؟ قال : ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا﴾[الرحمن: 43] هؤلاء ﴿الْمُجْرِمُونَ٤٣﴾ [الرحمن: 43] ، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ٤٤﴾ [الرحمن: 43-44] حميم آن ، الآن هو ؛ الذي نضج ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: 53] أي نضجه ، ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥﴾ [الغاشية: 5] أي حارة بلغت حدها ، والحميم الآن هوحميم الحار الذي بلغ مداه ، هذا عذاب أهل النار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ٤١ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ٤٣﴾ [الرحمن: 39-43] كانوا ينكرونها ، ينكرون البعث ، وينكرون جهنم ، هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون ، ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ٤٤﴾ [الرحمن: 44] أي إما عذاب وإما يشربون حميم الآن ، بين هذا وبين هذا ، والعياذ بالله ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ٤٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥﴾ [الرحمن: 44-45]

بعد أن ذكر الله تبارك وتعالى مصير أولئك القوم ، ثنَّى بمصير الطائعين المؤمنين المتقين ، وهكذا عادة القرآن لأنه مثاني ، يذكر أهل الباطل يذكر أهل الصلاح ، يذكر الجنة يذكر النار ، يذكر الخير يذكر الشر ، مثاني القرآن الكريم ، بعد أن ذكر أحوال أولئك ، قال سبحانه وتعالى : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾ [الرحمن: 46] أي لا يكونون مع أولئك ؛ من خاف مقام ربه له جنتان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾ [الرحمن: 46] مقام ربه هو ذلك اليوم أيضاً ؛ يوم العرض ، الذي خاف ذلك المقام ؛ أي خاف مقامه بين يدي ربه ، خاف وقوفه بين يدي ربه ، والإنسان المؤمن لا بد أن يعيش بين الخوف والرجاء ، لو جاءك إنسان مؤمن ، قال : أنا مؤمن لكن لا اخاف الله ، قل له : أنت كافر ، الخوف عبادة ، لابد أن تخاف الله سبحانه والذي لا يخاف الله كافر ، لابد ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] ، ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾[النحل: 50] لا بد ؛ الخوف عبادة ، الخوف عبادة يعبد الله بها ، قال الله تبارك وتعالى : (لا أجمع على عبدي خوفين ، ولا أمنين ، من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ومن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة) أبداً لابد للمسلم أن يخاف الله تبارك وتعالى ، النبي ﷺ قال لأصحابه يوماً : (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ، والله ضحكتم قليلاً ، ولما تلذذتم مع نسائكم في الفرس ، ولخرجتم إلى الصعداء تجأرون إلى الله) خوف من الله تبارك وتعالى ، فالمؤمن يخاف الله سبحانه وتعالى ، يقول الله جل وعلا : ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾[الرحمن: 46] الذي يخاف مقامي ، الذي يخاف وقوفه بين يدي في ذلك اليوم ؛ في يوم العرض ، في اليوم العظيم ، يعمل لهذا اليوم ، فإذا خاف وعمل لذلك اليوم ، فإن له عندي ﴿جَنَّتَانِ٤٦﴾ [الرحمن: 46] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾ [الرحمن: 46] والجنة هي البستان ، بستانٌ لك في الآخرة ، هذا غير جنة النعيم ، وجنة عدن ، وجنة الفردوس ، وجنة عدن ، هذا غير ، هذه الجنات ، وكل جنة داخلها جنات ، بمعنى جنة عدن داخلها جنات ، لكل واحد من المسلمين جنتان ، وجنة الفردوس كذلك وجنة الخلد كذلك ، كل جنة من هذه الجنان داخلها جنات للمؤمنين ، الله تبارك وتعالى يقول : الذي يخاف مقامي له جنتان ، أعطيه جنتين ، ثم صار ربنا سبحانه وتعالى يصف لنا هاتين الجنتين ، قال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨﴾ [الرحمن: 46-48] الأفنان قيل الأغصان ، والفنن هو الغصن ، فالأفنان هي الأغصان ، النبي ﷺ يقول : (إذا دخل المؤمن جنته فإذا جلس تحت الشجرة يمشي في فنها) أي في غصنها (لا يقطع ظلها مسيرة مئة سنة) ما يقطع ظلها أفنان أي أغصان تظلل ، وقال بعض أهل العلم : أفنان أي أنواع من الفاكهة والثمر ، أفنان أنواع ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾ [الرحمن: 46] ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨﴾ [الرحمن: 48] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ٥٠﴾ [الرحمن: 50] تسيلان ، في هاتين الجنتين عينان تجريان ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ٥٢﴾ [الرحمن: 51-52] أي شكلان ، بعضهم قال : فاكهةٌ تعرفونها وفاكهةٌ لا تعرفونها ، قال ابن عباس : ليس شيءٌ مما في الجنة مما يشبه شيءٌ مما في الأرض ، لكن نعرف الرمان ، ونعرف التفاح ، ونعرف البرتقال ، ونعرف الأناناس ، يوجد مثلها في الجنة ، وفي أشياء لا يوجد مثلها ، زوجان ؛ شيء تعرفه وشيء لا تعرفه ، ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ٥٢ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣ مُتَّكِئِينَ﴾ [الرحمن: 52-54] أي مستندين ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾[الرحمن: 54] ، وهذه الفرش ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] البطانة حرير ، ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤﴾ [الرحمن: 54] الثمر يأتيك ولا تذهب إليه ، وأنت متكئٌ على أريكتك في الجنة الثمر يأتيك ، دان أي قريبٌ منك ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ٥٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥﴾ [الرحمن: 54-55] ، هل اشتقتم لها؟ أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٥٦﴾ [الرحمن: 54-56] قاصرات الطرف ؛ هن نساء أهل الجنة ، ونساء أهل الجنة نوعان : زوجتك في الدنيا إن كأنت مؤمنة تكون معك في الجنة ، والحور العين ، الله يقول عن نساء أهل الجنة من أهل الدنيا ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ٣٥ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ٣٦ عُرُبًا أَتْرَابًا ٣٧ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ٣٨﴾ [الواقعة: 35-38] هذه زوجتك من أهل الدنيا ، إذا كانت معك في الجنة هكذا تكون ، وغير هذا تكون هناك الحورية معها ، يقول سبحانه وتعالى : ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: 56] قاصرات الطرف أي لا تنظر إلا إلى زوجها ، لا تنظر إلى غيره ، مستغنيةٌ به عن غيره ، حتى لا يشعر بأي غيرة ، وليس هناك غيرة في الجنة ، لأنه لا أحد ينظر إلى أحد ؛ كلٌ مشغولٌ بنفسه ، كما قالت أمنا أم المؤمنين عائشة لما سألت النبي ﷺ عندما قال : (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلا) عائشة لما سمعت عراة والناس أي الرجال والنساء ، قالت : يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؛ عورات ، قال : (الأمر أعظم من ذلك) الأمر أعظم من ذلك لا أحد حولك ، لا أحد ينظر إلى عورة أحد ، حدثني أحد إلاخوة يقول : كنت في الحج لما صارت المصيبة في نفق المعيصم ، لما تدافع عن ناس ، يقول : والله العظيم كنت بينهم ، يقول : والله سقطت ملابس ، رجال عراة ، نساء شبه عراة ، يقول : والله لا أحد ينظر إلى أحد ، وأنا منهم ، يقول : وأنا منهم ، يقول : تذكرت هذا الموقف ، هذا دنيا ، في موقف مثل هذا في الدنيا ، لا أحد ينظر إلى أحد ، فكيف بذلك اليوم؟ وكذلك في الجنة لا يغار أحد من أحد ، ولا ينظر أحد إلى أحد ؛ كلٌ مشغولٌ بنعيمه ، ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: 56] أي تقصر طرفها إلا على حبيبها ، إلا على زوجها ، وهو كذلك ينظر إلى غيرها ، يكتفي بما عنده ، ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٥٦﴾ [الرحمن: 56] أي أبكار ، ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ٣٥ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ٣٦﴾ [الواقعة: 35-36] بكر ؛ لم يطمثها إنس ولا جان ، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ٥٨﴾ [الرحمن: 58] يشبه الله أولئك النسوة بأنهن ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ٥٨﴾ [الرحمن: 58] سواءً كن نساء الدنيا اللاتي يكن في الجنة ، أو الحور العين كلهن ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ٥٨ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩﴾ [الرحمن: 58-59]. ثم ختم هذا بقوله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ٦٠﴾ [الرحمن: 60] أنتم أحسنتم في الدنيا ، فنجازيكم بالإحسان والله تبارك وتعالى أكرم من خلقه ، عندما (يؤتى برجل يوم القيامة ، فتعرض عليه أعماله ، فيظن أنه قد هلك ، فيقال له : هل لك من حسنة؟) هل تذكر خيراً صنعته؟ (يقول : والله لا أذكر إلا أني كنت ذا مال ، فكنت أمهل الموسر وأتجاوز عن المعسر) ؛ الموسر أؤجله ، والمعسر أسامحه ، (فقال الله : نحن أحق بذلك منك) ، قال : (تجاوزوا عن عبدي) الله أكبر ، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ٦٠﴾ [الرحمن: 60] فإذا أحسنا مع الله في هذه الدنيا ، هل يجازينا إلا إلاحسان في الآخرة؟ سبحانه وتعالى. 

ثم تأتينا نقلة غريبة إذ يقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢﴾ [الرحمن: 62] دون معنى أقل ، دون هذا أعلى وهذا دون أقل ، دونهما ؛ أقل منهما ، جنتان ، لماذا أقل؟ قال : لأن أهل الجنة ينقسمون إلى قسمين : إلى سابقين مقربين ، وإلى أصحاب يمينٍ المقتصدين ، هؤلاء هم أهل الجنة ، ليسوا سواء ، يقول الله تبارك : ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ٧ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ٩ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ١١﴾ [الواقعة: 7-11] ، ويقول سبحانه : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ٨٩ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ٩١﴾ [الواقعة: 88-91] ، ويقول ربنا سبحانه وتعالى : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا  فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ﴾ [فاطر: 32] ، فإذا هناك مقتصدون وهناك سابقون بالخيرات ، جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله ماذا علي؟ قال : (خمس صلوات في اليوم والليلة) قال : هل علي غيرها؟ قال : (لا ، إلا أن تطوع) فقط ، الباقي تطوع ، رواتب ، ضحى ، قيام ليل ، سنة وضوء ؛ هذا كله تطوع ، قال : (وأن تخرج زكاة مالك) قال : هل علي غيرها؟ قال : (لا ، إلا أن تطوع) صدقات ، بناء مساجد ، حفر آبار، تساعد الناس ، تتجاوزعن الناس ، لكن الواجب الزكاة فقط ، قال : هل علي غيرها؟ قال : (لا، إلا أن تتطوع) قال : (وأن تصوم شهر رمضان) قال : هل علي غيره؟ قال : (لا) لا يجب عليك لا ستة من شوال ، ولا يوم عرفة ، ولا يوم عاشوراء ، ولا يوم ويوم ، ولا الأيام البيض ، ولا خميس ، لا يجب عليك ، فقط المطلوب منك شهر رمضان فقط ، قال :هل علي غيره؟ قال : (لا ، إلا أن تطوع) قال : والله لا أزيد ؛ لا يريد أن يتطوع ، قال : والله لا أزيد على ذلك ، لكن ولا أنقص ؛ هذه مهمة ، أن كونه لا يزيد ؛ لا يريد الفضل لكن أهم شيء لا ينقص حتى لا يعاقب ، قال : لا أزيد ولا أنقص ، ماذا قال النبي ﷺ؟ قال : (أفلح إن صدقت) أفلح هل تعني يدخل النار أم الجنة؟ يدخل الجنة ، قال : (أفلح إن صدق) ، إن صدق في دعواه ؛ أنه لا يزيد ولا ينقص فإنه سيدخل الجنة ، أفلح لكن لا يكون من المقربين ، لا يكون من السابقين ، يكون من أصحاب اليمين ، يكون من المقتصدين ، كما قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي : (من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) فقط هذا أهم شيء ، (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل) هنا جاء دور المقربين الآن ، دور السابقين ، (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) هذه يسمونها المحبة الخاصة، وإلا الله يحب المقتصد ، لكن هذا يحبه أكثر ، يحبه محبةً خاصة، ولذلك قال : (فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، لإن سألني لأعطينه ، ولإن استعاذني لأعيذنه) ، فالقضية إذا الناس في الجنة يتفاوتون ، ربيعة بن مالك الأسلمي لما قال له النبي ﷺ : (سلني) لم يقل : أسألك الجنة ، قال : أسألك مرافقتك في الجنة ؛ يعني في الفردوس ، فقال : (أعني على نفسك بكثرة السجود) أنت تريد أن تكون من المقربين ، أنت لا تريد مجرد الجنة ؛ تريد الفردوس ، (أعني على نفسك بكثرة السجود) فالله سبحانه وتعالى لا يظلم ؛ من كان مقتصداً سيدخله الجنة لكن لا يمكن أن ينال درجة الأعلى ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ  أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10] ؛ ﴿كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10] ، ويقول سبحانه وتعالى : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ  فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً  وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥﴾ [النساء: 95] إذا أهل الجنة يتفاوتون ، والله سبحانه وتعالى من منه وكرمه وفضله قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] الذي تحت يصعد ، لكن الذي صعد لا ينزل ، من فضل الله تبارك وتعالى ، أي إذا دخلت الجنة وكنت في أعلاها ، ولك أولاد في أدناها ، في أدنى الجنة ، تقول : أريد مكاني وأريد أولادي ، لا يقال لك : اختر أولادك أو مكانك؟ لا ، الله يرضيك يقول لك : نصعد لك أولادك لكن أنت لا تنزل ، نعطيك مكانك ونعطيك أولادك ، من فضل الله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] أهم شيء أن لا يكونوا كفاراً. مؤمنون نصعدهم ليس هناك مشكلة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21] ما أنقصناهم من عملهم شيئاً أبداً ، الله كريم سبحانه وتعالى ، ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ [الرحمن: 62] قلنا للمقتصدين ؛ لأصحاب اليمين ، دون أقل ﴿جَنَّتَانِ ٦٢ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣﴾ [الرحمن: 62-63] الآن الله تبارك وتعالى يعمل لنا شيء من شيئاً من المقارنة بين جنتي السابقين المقربين ، وبين جنتي أصحاب اليمين المقتصدين ، كأنه يقول لنا : إذا أردتم هذه اجتهدوا أكثر ، أتريدون هذه؟ موجودة ، لكن إذا أردتم الثانية؟ اجتهدوا أكثر ، فقال سبحانه وتعالى : ومن ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣ مُدْهَامَّتَانِ ٦٤﴾ [الرحمن: 62-64] هذا الوصف الأول ؛ ﴿مُدْهَامَّتَانِ ٦٤﴾ [الرحمن: 64] هناك قال : ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨﴾ [الرحمن: 48] المدهامة هي : شديدة الخضرة  ، أحيانا أنت ترى الشجر مصفر ؛ ليس أخضر بل مصفر ، أصفر من الشمس ؛ حرارة الشمس ، وقلة الماء وكذا ، ترى الشجر لونه أصفر ، وأحيانا تجده أخضر ، وأحياناً تجده أخضر باهت ، وأحيانا تجده أخضر غامق غامق كأنه أسود ، هذه هي المدهامة ، المدهامة هي شديدة الخضرة ، هذه الجنة المدهامة. مدهامة أي شديدة اللخضرة لكن ما قال ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨﴾ [الرحمن: 48] ، هناك ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨﴾ [الرحمن: 48] يختلف الوضع ، هناك أغصان ، هناك إذا قلنا أفنان ؛ أنواع كثيرة من الفاكهة يختلف الأمرإذا. 

﴿مُدْهَامَّتَانِ ٦٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦﴾ [الرحمن: 64-66] هناك : ﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ٥٠﴾ [الرحمن: 50] هنا : ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦﴾ [الرحمن: 66] والجريان أفضل من النضخ ، والنضخ خير ونعمة ، تنضخ الماء لك ، بل إن هناك يجري الماء أكثر ، أحسن ، أجمل  ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ٦٨﴾ [الرحمن: 66-68] أي  وأمثال ذلك ، هناك : ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ٥٢﴾ [الرحمن: 52] ؛ هناك أكثر ، هناك كل الفواكه ، هنا لا ، يوجد أشياء هناك لا تجدها هنا ، ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ٦٨﴾ [الرحمن: 68] وأشباه ذلك ، ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ٦٨﴾ [الرحمن: 68] حسنا النخل والرمان فاكهة! قلنا ذكر بعض أفراد العام بعد ذكر العام للتمييز لبيان الفضل ، الرمان والنخيل ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ٦٨ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ٧٠ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ٧٢﴾ [الرحمن: 68-72] ، ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ٧٠﴾ [الرحمن: 70] خيرات ؛ أي الزوجات اللاتي في الجنة  خيِّرات ، لا تغار ، لا تحيض ، لا تغضب ، لا تحزن ، أي مطهرات من كل شيء  ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ٧٠﴾[الرحمن: 70] جميلات ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ٧٢﴾ [الرحمن: 72] أي مقصورةٌ لك ، لو جئنا نقارن ؛ هناك ماذا قال؟ ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: 56] ، هنا : ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾[الرحمن: 72] قال : المقصورة ؛ قصرها غيرها ، القاصرة ؛ بنفسها باختيارها. قالوا : فرق إذا ، فرق بين من هي لا تريد وبين من يقال لها لا تختارين إلا هذا ، فرق عظيم ، فرق بين المقصورة المجبورة ، وبين القاصرة المختارة ، هنا ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ٧٢﴾ [الرحمن: 72] بينما الأول ﴿قَاصِرَاتُ﴾[الرحمن: 56] فاعلات ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾[الرحمن: 56] هنا قال : ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ٧٠﴾ [الرحمن: 70] ﴿حُورٌ﴾ [الرحمن: 72] ، هناك ماذا قال؟ قال : ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ٥٨﴾ [الرحمن: 58] فرَّق أي نساء أهل الجنة اللاتي يكن معك في الدرجات العلا مع السابقين أجمل من النساء اللاتي يكن في الجنة أيضاً وهن جميلا ، لا يوجد شك ؛ فكل نساء الجنة جميلات ، لكن هؤلاء أجمل ، لكن اشتركا في أمر ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٧٤﴾ [الرحمن: 74] وهناك أيضاً ، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٥٦﴾ [الرحمن: 56] لأن هذا لا يجوز إلا أن يكون واحداً ، كلاهما : ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٧٤﴾ [الرحمن: 74] ، ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ٧٦﴾ [الرحمن: 76] الرفرف الخضر وهي المكان الذي يجلس فيه ، خضر ؛ لونه أخضر جميل ﴿عَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ٧٦﴾ [الرحمن: 76] العبقري ؛ منتهى الجمال ، حسان جميل أيضاً ، وقال بعضهم : العبقري الحسان ؛ هي الوسائد المنثورة ، كما قال الله تبارك : ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦﴾ [الغاشية: 16] ، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ٧٦﴾ [الرحمن: 76] ، بينما هناك قال ماذا؟ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] ماذا؟ ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤﴾ [الرحمن: 54] ، هنا لا يوجد ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤﴾ [الرحمن: 54] هنا فقط ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ٧٦﴾ [الرحمن: 76] لم يأتي بسيرة جنى الثمر أبداً ، لا يأتيك الأكل وأنت تذهب إليه ، هناك ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤﴾ [الرحمن: 54] ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧﴾ [الرحمن: 77].

ثم ختم هذا كله بقوله : ﴿تَبَارَكَ﴾[الرحمن: 78] أي تعاظم ﴿تَبَارَكَ﴾[الرحمن: 78] أي تقدس ، من البركة ، ولا يقال تبارك إلا لله سبحانه وتعالى ، والله هو الذي يبارك الأشياء سبحانه وتعالى ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨﴾ [الرحمن: 78] والجلال اسم الله ، وإلاكرام اسم الرحمن ، فختمها بهذين الاسمين الكريمين ، كما قال أهل العلم  ، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨﴾ [الرحمن: 78] الذي له الجلال وله الاكرام سبحانه وتعالى ، قد يقول قائل الآن : من السابقين المقربين ، من المقتصدين أصحاب اليمين ليس عندي أي مشكلة ؛ المهم بالجنة ، والبعض قد يقول : أهم شيء أني لا أدخل النار حتى لو أكون تراباً ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ٤٠﴾[النبأ: 40] المهم أني لا أدخل النار ، يخبر النبي ﷺ عن (آخر من يدخل الجنة من أهل الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة ، فيقول : يا رب ، وقد أخذ الناس أماكنهم وأعطياتهم) أي ما بقى لي شيء ؛ انتهت الجنة ، الناس كلها دخلت قبله ؛ أنا آخر واحد ، ماذا بقى لي؟ (فيقال له : هل يسرك أن يكون لك مثل ملكٍ من ملوك الدنيا؟) ملك؟!  (يقول: نعم ، قال : فلك مثله ومثله ومثله ومثله ومثله) خمس فما يتحمل فقط (فيقول : رضيت ربي ، وقال : ولك عشرة أمثاله) على اختلاف أهل العلم : عشرة أمثال الخمسة فيكون كم؟ خمسين ، أو عشرة أمثال ؛ أي بدل الخمسة يصيرون عشرة ، هذه أو هذه ، المهم في الجنة ، حتى أن ممن يخرج من النار ، (فيقول : يا رب قربني من باب الجنة) فقط ، لا أريد غير هذا فقط ، (قال : يا عبدي ، أخشى أن تقول أدخلني الجنة ، قال : لا) ، لا فقط عند الباب ، أرى فقط الجنة ، (فأوقف عند الباب ، قال : فيأخذ عليه المواثيق أنه لا يسأل غيرها ، فلما يرى الجنة قال : يا رب أدخلني عند الباب)  أدخلني ، (قال : قد أخذت عليك المواثيق ، أي غُدر) أنت تكذب ، قد أخذت عليك المواثيق ، قال : (لا يصبر ويعذره الله لعدم صبره لما يرى من نعيم الجنة ، فيقول : يا رب لا أكون أشقى عبادك) أدخلني  (فيدخله الله تبارك وتعالى ، فيقول : يا رب أدخلني الجنة ، فيقال : أي غدر ، ألم تؤخذ عليك الموثيق؟ قال : يا ربي لا أكون أشقى عبادك) ، قال : (فيعذره الله مما يرى). 

فأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة ، وأن يجعلنا من السابقين المقربين ، أن يجعلنا ربنا تبارك وتعالى من أهل الجنتين الأوليين ، وأن نكون في الفردوس الأعلى ، اللهم إني أسألك الفردوس ، اللهم اني أسألك الفردوس ، اللهم اني أسألك الفردوس ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، واغننا بفضلك عمن سواك ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ وعمل ، ونعوذ بك النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل.

والله أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شارك