٤- تفسير سورة البقرة الاية ١٧ - ٢٠ الشيخ د.عثمان الخميس

إقرأ

  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مساكم الله بالخير جميعاً، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فنستمر بحول الله تبارك وتعالى قوته وقوله جل وعلا في التعليق على ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى، ونحن مع سورة البقرة ووصلنا الى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ[البقرة:17].

 هذه الآية وما بعدها جاءت تعقيبًا على ما سبق من ذكر حال المنافقين؛ لأن أول الآيات  جاءت في ذكر المؤمنين ثم آياتٌ بذكر الكافرين ثم آياتٌ بذكر المنافقين، فقال الله تبارك للمنافقين في أولها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ[البقرة:8-16].

أخبر الله تبارك في هذه الآيات على المنافقين، ثم بعد ذلك ضرب مثلين سبحانه وتعالى ليبين حال أولئك المنافقين، مثلان ينطبقان على حال المنافقين، والأمثال في كتاب الله تبارك وتعالى كثيرة، والله جل وعلا قد أخبر أن هذه الأمثال إنما ينتفع بها العلماء، ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[العنكبوت:43].

 وكان بعض السلف يقول إذا قرأت المثل في كتاب الله تبارك وتعالى فلم أفهمه بكيت على نفسي، لأن الله تبارك وتعالى يقول ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[العنكبوت:43] إذن لست منهم؛ فيحرص الإنسان على أن يعقل هذه الأمثال ويعرف ما تدل عليه.

 يقول الله تبارك وتعالى إن أولئك المنافقين يقول ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (117) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[البقرة:17-18] [هذا المثال الأول، ويسمى بالمثال الناري كما سموه أهل العلم لأنهما مثالان: مثالٌ ناري ومثالٌ مائي، هذا المثال الناري الذي ذكر فيه النار. 

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا[البقرة:17] استوقد أي طلب إيقاد النار والسين والتاء يكون للطلب، وغالبًا تأتي للطلب وقد تأتي لغير الطلب، قد تأتي لغير الطلب ولكنها في الأصل في الغالب تأتي للطلب: "استوقد، استغفر، استرحم" دائما للطلب -أي طلب مغفرة، طلب الرحمة، طلب الاعتقاد وهكذا-.

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] فالمستوقد واحد والمنتفعون كثر، كما قال الله تبارك ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17]ولم يقل: بنوره، أو لأن الواحد هو الذي قام بجمع الحطب النار ولكن المنتفعين كثر وهم أصحابه أو الذين كانوا معه أو ما شابه ذلك من الأمور. 

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] استوقد نارًا فلما أضاءت هذه النار ما حوله؛ ذهب الله بنورهم، ولم يقل ذهب الله بضوئهم، هو استوقد ناراً أضاءت، ما قال: "ذهب الله بضوئهم" وإنَّما قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] أو لأن النار فيها الضوء وفيها الحرارة وفيها الدخان، النار عندما تشعلها فيها إنارة تُضيء، متى؟  كما قال الله تبارك وتعالى عن النار في سورة الواقعة -في آخرها-: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ[الواقعة:71-73] المقوون هم المسافرون، متاعٌ لهم حيث تضيء لهم، تحميهم من الحيوانات، تنير لهم مكانهم، يطبخون عليها غداءهم وعشاءهم، وغير ذلك من الأمور، فيستفيدون منها، فمن من الاستفادة من النار أنها تُضيء لهم. 

الله تبارك وتعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] ولم يقل بنارهم، وإنَّما ذهب الله بنورهم، ولم يقل أيضًا: ذهب الله بضوئهم، وإنما قال بنورهم، لماذا? قال: لأن النار في اشتعالها تجمع الإضاءة لهم -طبعاً إذا كانت في الليل- وهي في الليل هنا؛ لأنه قال:  ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ[البقرة:17] فدل على أنها في الليل وقال: أضاءت؛ لأن النار لا تُضيء في النهار؛ ضوء الشمس يكفي، وكل ما عدا الشمس لا شيء، فإنما أضاءت لهم بالليل، قال: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] ولم يقل: بضوئهم، ولم يقل: بنارهم وإنما قال: بنورهم، فذهب الله بما ينتفعون به وهو النور وابقى لهم ما يضرهم وهو حرارة النار ودخان النار.

 وهذه من بلاغة القرآن الكريم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ[البقرة:17] قالوا: هذه الظلمات أولها ظلمة الليل؛ لأنَّهُ قال: أضاءت فإذن هم في الليل، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ[البقرة:17] والظُلمة الثانية ظلمة الدخان الذي يخرج من هذه النار؛ لأن هذا الدخان أيضاً يظلم عليهم، يغطي ما فوقهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ[البقرة:17] ثم هذا التأكيد، ثم قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[البقرة:18] مع أنهم يسمعون ويرون ويتكلمون، لكن قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ[البقرة:18] لأنهم لا ينتفعون بسمعهم ولا ينتفعون بنطقهم ولا ينتفعون برؤيتهم؛ فصار وجودها كعدمها؛ لأنهم لا ينتفعون بها فوجودها كعدمها؛ ولذلك الله تبارك يقول: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ[الأعراف:179]إذن ما فائدتها? لا فائدة فيها، وإنما يستفيد الانسان من العين يبصر بها ويستفيد من الأذن يسمع بها ويستفيد من اللسان يتكلم به، هؤلاء صم بكم عمي، لأنهم لا ينتفعون بسمعهم ولا ينتفعون ببصرهم ولا ينتفعون بنطقهم؛ فلذلك صار وجودها كعدمها: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[البقرة:18] أي لأن هذه صفاتهم لأنهم صم عن الحق لا يسمعونه، بكم عن الحق لا ينطقون به، عميٌ عن الحق لا يرونه، إذن كيف يرجعون? لن يرجعوا إلى الحق؛ لأنهم لا يتكلمون به لا يريدون أن يسمعوه لا يريدون أن يروه، فإذا كان حالهم كذلك إذن النهاية -النتيجة- لا يرجعون، لن يرجعوا إلى الحق؛ لأنهم لا يريدونه، صادون ندون عن الحق.

 ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ[البقرة:19] هنا "أو" قال بعض أهل العلم على التخيير يعني إن شئت لهم المثل الأول وإن شئت له الثاني، يعني المثل الأول يُعبر عن المنافقين والمثل الثاني كذلك يعبر عنهم، فيكون للتخيير هذا او هذا، أو تكون الواو العاطفة أي ومثلهم كذلك، لهم هذا المثل ولهم هذا المثل، وهما قريبان، وقال بعض أهل العلم المجموعة الأولى غير المجموعة الثانية، يعني المثل الأول لأُناس والمثل الثاني لأُناسٍ اخرين، صحيح كلهم منافقون لكن أيضًا المنافقون يعني على دركات يختلفون. 

هناك المنافقون المترددون، الذين قال الله عنهم سبحانه وتعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ[النساء:143] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا[البقرة:76] فإذا جاءهم ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ[المنافقون:1]  ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا[المنافقون:3] ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا[النساء:137] فهم مترددون، مضطربون، إلى أين يذهبون? لا يعلمون.

 هذا الصنف الأول، الصنف الثاني لا منافق صرف، مقرر أنه مع الكفار تمامًا، غير متردد، لكنه يظهر الايمان كذباً وزوراً.

 فهذان نوعان من المنافقين: فالنوع ذكر له المثال الأول وهم المترددون؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا[البقرة:17] واستيقاد النار بالنسبة لهم هو في دخولهم للإسلام، وحفظوا بذلك دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وعاشوا مع المسلمين وعوملوا معاملة المسلمين ويغنمون مع المسلمين إذا خرجوا معهم للجهاد ويعاملون معاملة المسلمين مائة بالمائة، فهذا هو النور الذي نالوه، ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[البقرة:17] أي يوم القيامة، عندما يأتون يوم القيامة يظنون أنهم كما خدعوا الناس في هذه الدنيا يستمرون في خداعهم في الاخرة. 

فيقول الله تبارك: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ[الحديد:13] هناك حُسِم الأمر؛ بأنَّهُم عند علام الغيوب سبحانه وتعالى. 

ضرب الله المثال الثاني قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ[البقرة:19] الصيب هو النازل دائمًا الصيب النازل من السماء، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ[البقرة:19] هو المطر الذي ينزل من السماء ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ[البقرة:19] قال أهل العلم: أصلها صَيْوِّب؛ لأنه صاب يصوب، فهو أصلها واو، فأصل صيِّب مثل سيد ومثل هين ولين، وغيرها من الكلمات التي تدل على نفس المعنى.

 طيب وإنما قُلِبت الواو إلى ياء وشُددت ادغمت، هي "هيْوِّن، ليْوِّن، سيْوِّد، صيْوِّب" هكذا أصلها، لكنها أدغمت -حولت إلى ياء ثم أدغمت- فصارت سيد، سيِّب، صيِّب وهكذا، هذه الكلمات، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ[البقرة:19] أي الماء النازل من السماء.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ[البقرة:19]صيِّب من السماء، وهذا المطر ليس مثل مطر الصيف، لا، فيه ظلمات ورعد وبرق، أين الظلمات? قالوا: الظلمات ظلمة الليل إذا كان بالليل: ظلمة السحاب اللي مغطي عن الشمس، ما في شمس، ما تشوف الشمس، لأنَّها كله سحاب مغطي.

 كما يقول: "في ليلةٍ كفر النجوم غمامها" يعني الغمام اللي هو السحاب غطى النجوم وغطى على الشمس، فتشوف احياناً تشوفهم بالنهار تصير ظلمة مع إن الشمس طالعة لأنه كله ايش? مغطيه السحاب.

قالوا: اذاً ظلمة الليل أو ظلمة السحاب وظلمة المطر، المطر إذا صار ينزل بسرعة يصير كأنه حجاز حاجز، هذا المطر صار ينزل بقوة، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ[البقرة:19] أي مع هذا المطر رعدٌ وبرق، يقول الله تبارك للمنافقين: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ[البقرة:19] هو ما يجعل أصابعه في أذنه؛ لأن الإصبع ما يدخل، تقدر تدخل اصبعك بأذنك? ما يدخل الأنملة، صح ولا لا? الأنمُلة شيء بسيط، لكن الأصبع كله يدخل بالأذن تقدر? خلنا نشوف؟ ما يروح? اضغط، طيب? فالأصبع لا يدخل في الأذن؛ وإنما تدخل الأنمُلة ولكن هذا من باب المبالغة في إرادتهم إغلاق الأذن حتى لا تسمع الصوت المزعج.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ[البقرة:19] يعني من شدة هذه الصواعق في لغة صواقع، يُقال من شدتها أنهم يخشون أنهم إذا لم يغلقوا آذانهم أنهم يموتون من شدة هذا الصوت، ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ[البقرة:19].

﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ[البقرة:20] الحين جاء البرق. يكاد البرق يخطف ابصارهم، بسرعته هكذا، لذلك قالوا أنه لا يُستحب الإنسان ينظر الى البرق؛ حتى لا يخطف بصره ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا[البقرة:20] اذاً معناها ايش? في الليل أيضاً، في الليل ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ[البقرة:20]تصور إضاءة  البرق كم مدتها? خمسة. لحظات، فتصور هؤلاء واقفين يعني كم يمشون أضاء? خطوة، خطوتين بس لإضاءة البرق فقط، فهذا يدل على حيرتهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا[البقرة:20]قاموا يعني وقفوا. 

فتصور أنت كم سيستغرقون من الوقت حتى يصلوا إلى مرادهم? وهُم يعتمدون على ضوء البرق الذي يخرج لحظة ويغيب، لحظة ويغيب، لحظة ويغيب، ومع الخوف والهلع الشديد الذي ينتابهم من هذا البرق ومن هذا الرعد، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ[البقرة:20] يعني الله سبحانه وتعالى ما جعل هذه لأنَه محتاج لها، قادرٌ الله تعالى أن يذهب بأسماعهم وأبصارهم بدون هذه، بدون الرعد وبدون البرق وبدون هذا؛ قادر سبحانه وتعالى.

 ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82] ولكن أراد أن يعذبهم في الدنيا ويعذبهم في الاخرة سبحانه وتعالى، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ[البقرة:20].

والله أعلى وأعلم. وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد.

شارك