2 - تفسير سورة المائدة الآية ( 3 ) - عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مساكم الله بالخير جميعاً ، حياكم الله وبياكم ، وجعل الفردوس مثواي ومثواكم ، اللهم آمين ، نحن في الليلة الثالثة من شهر محرم ، الحرام ، لسنة اثنتين وأربعين وأربعمئة بعد الألف من هجرة النبي الكريم ﷺ ، الموافق لليلة الثاني والعشرين من الشهر الثامن سنة عشرين وألفين ، وما زلنا مع سورة المائدة ، أو نحن في بدايات سورة المائدة والآية الثالثة منها ، وابتداءً أذكر نفسي وأذكركم بقول النبي الكريم ﷺ ؛ يقول لأصحابه : (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان أو العقيق فيرجع بناقتين كوماوين من غير ما إثم ولا قطيعة رحم) ، قالوا : كلنا يحب ذلك يا رسول الله ، قال : (لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين خيرٌ له من ناقتين ، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث ، وأربع خيرٌ من أربعة ، ومن أعدادهن من الإبل) ، فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن  يجعلني وإياكم من هؤلاء ؛ الذين يغدون ليتعلموا آيات كتاب الله تبارك وتعالى. وابتداءً أقول رب اغفر لي ذنبي ، ويسر لي أمري ، وأطلق لي لساني يفقه قولي. 

يقول ربنا تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ  الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا  فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ  فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾[المائدة: 3]. 

قوله تبارك وتعالى : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾[المائدة: 3] ، ولم يذكر من الذي حرم؟ والذي يحرم ويحل هو الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33] الله هو الذي يحرم ، وهو الذي يحلل سبحانه وتعالى ، بل إن النبي ﷺ لما حرم على نفسه العسل ، وقال : (لا أشربه أبداً) ، عاتبه الله جل وعلا وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ  تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] فالقصد أن الذي يحلل ويحرم هو الله ، فهنا لم يذكر الله تبارك وتعالى من الذي حرمه؟  لكنه معلوم ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ [المائدة: 3] أي حرم الله عليكم ، والخطاب للمؤمنين ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾[المائدة: 3] الميتة هي كل ما مات حدف أنفه ، أو مات بغير ذكاة شرعية ، هذا كله ميتة ، وفيها قراءتان : الميْتَة والميِّتَة  ؛ إما بسكون الياء ؛ الميْتة ، وإما بشدة وكسر للياء ؛ الميِّتة ، والفرق بين الموت والقتل كما ذكر بعض أهل العلم ، أن الموت هو قبض الروح ، أمّا القتل فهو هدم البدن ، والله تبارك وتعالى هو الذي يحيي ويميت ، لا يقبض الروح إلّا الله سبحانه وتعالى ، الإنسان يقتل ، الحيوان يقتل لكن الموت بيد الله وحده ، الله هو الذي يميت ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: 68] ، ولذلك لما ناظر نبي الله إبراهيم صلوات ربي وسلامه عليه ذلك الملك ؛ والمشهور أنه النمرود ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] ، فإذاً الإماتة بيد الله وحده سبحانه وتعالى ، الإنسان قد يقتل كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] لكن لا يميت ، الذي يميت هو الله ، والقتل والموت يجتمعان أحيانا عندما يهدم البدن ؛ برمي بالرصاص أو ضرب بسيف أو برمح أو رمي من مكان عال أو بسم أو بإغراق ، هذا الأصل فيه أنه إذا قتل الإنسان ذهبت الروح معه ، تبع للبدن ، ولكن قبض الروح بدون القتل هذا بيد الله وحده سبحانه وتعالى ، ولذلك أحيانا قد يحاول الإنسان القتل ولا يستطيع ، كما ألقى الكفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار لكنه لم يمت ، لأن الله لم يقدر أن يموت ، غلام الأخدود لما دخلوا البحر وأرادوا أن يلقوه في البحر ، لما صعدوا به الجبل وأرادوا أن يلقوه من الجبل ، ما استطاعوا ذلك ، لماذا؟ لأن الله لم يكتب له أن يموت سبحانه وتعالى ، فهذا ما ذكر في الفرق بين القتل والموت ، ولذا قال الله تبارك وتعالى عن نبيه محمدٍ ﷺ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: 144] ففرق ، ويقول : ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران: 158] ففرق بين الموت والقتل.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾[المائدة: 3] الميتة ؛ جاء في الحديث عن النبي ﷺ لما سئل عن البحر قال : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ، وقال ابن عمر رضي الله عنه : أحلت لنا ميتتان ، ودمان ، أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال ، وهنا الله تبارك يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] أي دم؟ قالوا : هو الدم المسفوح ، ما الدليل؟ الدليل في سورة الأنعام عندما يقول الله تبارك وتعالى : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] فهنا قيده بأن الدم المسفوح هو المحرم ، ولما سئل ابن عباس عن الطحال ، قال : كلوه ؛ حلال ، قالوا : أليس دماً؟ قال : إنما حرم الدم المسفوح ، فالدمان ؛ الكبد والطحال ويدخل معهما أيضاً القلب وكل دمٍ جامد ، وإنما المحرم هو الدم المسفوح الذي يخرج من الذبيحة عندما تذبح ؛ هذا هو المحرم ، واستثنى أهل العلم الدم الذي يكون في العروق ، كما قالت عائشة رضي الله عنها ، ونقل النووي الإجماع على ذلك : أن خيوط الدم التي  تكون في العروق إنها مما يعفى عنه للمشقة ، المهم أن المحرم هو الدم المسفوح ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾[المائدة: 3] ، قال : ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾[المائدة: 3] ، المقصود الخنزير كله ، الخنزير كله محرم ؛ لحمه ، وشحمه ، وكل شيءٍ فيه ، والصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم أنه لا يطهر حتى بالدباغ ، لأنه نجس العين ، والدم والميتة ولحم الخنزير محرمة ، قد يقول قائل ، إذا كان الخنزير محرماً ، فلماذا خلقه الله؟ أو ما الحكمة من خلق الله له سبحانه وتعالى؟ أولاً : لا بد أن نعلم ، أنه ليس كل شيءٍ خلقه الله يكون حلالاً أكله أبداً ، هذا أمر ، الأمر الثاني : أن الله تبارك وتعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ٢٣﴾ [الأنبياء: 23] ، الأمر الثالث : نحن كمسلمين نعتقد عقيدةً جازمة أن الله حكيم ، وأنه لا يأمر إلا لحكمة ، ولا يفعل إلا لحكمة ، ولا ينهى إلا لحكمة سبحانه وتعالى ، فأمره ونهيه وحكمه دائر تحت الحكمة أبداً ، هذه عقيدتنا ، لأن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ  لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ١١٦﴾ [المؤمنون: 115-116] ، أي تعالى عن العبث ، والمتعالي عن العبث هو الذي لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ، سبحانه وتعالى ، لكن هذه الحكمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر ، قد ينص الله عليها وقد لا ينص عليها ، ولا يجوز للمسلم أن يقول لا أقبل أمر الله حتى أعلم الحكمة ، هذا لا يجوز ؛ لأن أولاً عقولنا قاصرة ، وفهمنا قاصر ، أعطانا الله فهماً على قدرنا ، وعقولاً على قدرنا ، وإدراكاً على قدرنا ، سبحانه وتعالى ، فكوننا لم نعلم الحكمة لا يعني أنا لا نقبل أمر الله تبارك وتعالى وإنما نقول ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285] ، هذا هو الأصل ، الذي يجب علينا أن نقوله ، ولو لم نعلم الحكمة ، لكننا نؤمن أن الله لم يفعل شيء إلا لحكمة ، وقد يكون من باب الابتلاء ، نسمع أو لا نسمع ، نطيع أو لا نطيع ، ولذا لما قال الكافرون : ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾[البقرة: 275] ، رد الله عليهم قال : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ، عندما يقول قائل : حرَّم أن نجمع بين البنت وعمتها ، ولم يحرم أن نجمع بين البنت وبنت عمها ، نقول : هذا أمر الله سبحانه وتعالى ، انتهى الأمر ، فأحيانا بعض الأوامر من الله تبارك وتعالى لأجل أن يرى نسمع أو لا نسمع ، نطيع أو لا نطيع ، ابتلاء ، اختبار من الله سبحانه وتعالى. 

قال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾[المائدة: 3] ما أهل لغير الله ؛ أي ذبح لغير وجه الله سبحانه وتعالى ، وقد ذكروا أن رجلاً من العرب تفاخر مع والد الفرزدق ؛ غالب التميمي والد الفرزدق الشاعر المعروف ، فتفاخرا على أن إذا جاءت الإبل أن يعقراها ، وفعلاً أول ما جاءت الإبل ، عقر والد الفرزدق مئة من الإبل ، وعقر هذا الرجل أيضاً مئةً من الإبل ، فقام الناس وقالوا : اللحم اللحم ، يعني مئتا ناقة ذبحت ، فقالوا : اللحم اللحم ، قالوا : فخرج عليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال : لا تأكلوا منها إنما هذا مما أهل لغير الله به ، لأن هذه جاءت على سبيل التفاخر ، فإنها لم تذبح للفقراء ، لم تذبح لله سبحانه وتعالى ، وإنما ذبحت تفاخراً بين هذا وهذا ، فقال : هذا مما أهل به لغير الله تبارك وتعالى ، فالمُهَل به لغير الله أي المذبوح لغير الله سبحانه وتعالى ، ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾[المائدة: 3] هذه الخمسة هي إجابة الآية السابقة التي قبلها وهي قول الله تبارك وتعالى : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1] أي ما سيتلى عليكم ، هنا تليت ، هذه بهيمة الأنعام إذا كانت منخنقة ، إذا كانت موقوذة ، إذا كانت متردية ، إذا كانت نطيحة ، إذا كانت مما أكل السبع لا يجوز أكلها ، وإن  كانت هي في الأصل حلالاً ؛ ناقةً بقرةً شاةً سخلةً الأصل أنها حلال ، لكن لما صارت منخنقة ، لما صارت موقوذة ، لما صارت متردية ، لما صارت نطيحة ، لما صارت مما أكل السبع حرمها الله تبارك وتعالى علينا ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا﴾[المائدة: 1] باستثناء ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾[المائدة: 1] وهي هذه الخمسة ، أما ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾[المائدة: 3] فهي التي ماتت بسبب الخنق ؛ سواءً خنقت باليد ، خنقت بحبل ، خنقت بغاز ، تعلقت بمكان بين شجرتين مثلاً واختنقت ، أي سبب ، المهم أنها ماتت بسبب الاختناق ؛ انقطاع النفس ، انقطاع الأكسجين ، منخنقة. ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] هي التي ماتت بسبب قوة الضرب ؛ ضربت على رأسها ، ضربت على بطنها ، ضربت على يدها ، موقوذة ، ولذلك سأل عدي بن حاتم رضي الله عنه النبي ﷺ عن الصيد بالمعراض ؛ معراض العصا ، وأحيانا يكون فيها سن رمح ، قال : (ما قتل بحده فكل ، وما قتل بعرضه فلا تأكل ، فإنه وقيذ) ، وقيذ أي موقوذة ، وهي التي تقتل بالضرب ، ضربٍ بالعصا  ، ضربٍ بحديدة ، بصخرة ، بأي شيء قوي تضرب به ، فيسمونها وقيذة أو موقوذة ، هذه كذلك لا يجوز أكلها. الثالثة ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: 3] ؛ التردي هو السقوط من أعلى إلى أسفل ، سواءً سقطت من جبل ، أو سقطت في بئر ، سواءً سقطت بنفسها ،أو أسقطها غيرها ؛ هذه تسمى متردية ، ومنها الرَّدى أي الهلاك ، فهذه المتردية كذلك لا يجوز أكلها إذا ماتت بسبب سقوطها ، حسنا لو أنا رميت صيداً على جبل ؛ شاة على جبل أي التيس البري الجبلي مثلاً ، أو غزال جبلي ، أو طيراً على جبل ، رميته وسقط ، هل يحل أو لا يحل؟ فيه تفصيل ، ولذا لما سئل النبي ﷺ عن الصيد يرمي الصيد فيسقط في الماء ، يحل أو لا يحل؟ يقول : (فإذا رميت الصيد فسقط في الماء فلا تأكله ، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) ، فلا يؤكل إذا كان غريقاً لماذا؟ لأنه قد يكون مات بسبب الغرق وليس بسبب الإصابة ، وبعض أهل العلم فصل في هذا ، يقول : إذا وجدت الإصابة في الجناح مثلاً ، أو في  الذيل ، أو في مؤخرته ؛ هذه لا تقتل عادةً ، فيكون مات بسبب الغرق ، أما إذا كانت الإصابة قاتلة فعادةً أنه مات بسبب الإصابة ، وكذا المتردي ، إذا كنت أصبته إصابة قاتلة فالأصل أنه مات من إصابته ، وليس من ترديه ، فينتبه لهذا الأمر ، فهذه هي المتردية. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: 3] هي التي ماتت بسبب الاصطدام القوي ، سواءً كان تناطح بين الحيوانات نفسها ، بين شاةٍ وشاة ، خروف وخروف ، تيس وتيس غزال وغزال ؛ تناطحا ، فإذا تناطحت وماتت إحداهما فالتي ماتت حرام ، لأنها ماتت بالتناطح ، ويدخل فيها ما صدم بسيارة كأنه نطيحة تماماً ، فالقصد  كما يقول :

كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها         فما ضرها وأوهى قرنه الوعل 

فلو فرضنا أن وعلاً جاء ينطح صخرة ثم مات مثلاً ؛ هذا ميتة أيضاً ؛ نطيحة فلا يؤكل ، فالقصد أن هذه الأربعة الآن ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: 3] لا تؤكل ، قال : ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾[المائدة: 3] قال أهل العلم : هنا يوجد محذوف مقدر ، لأنه ليس المقصود ما أكل السبع ، وإنما المقصود ما أكل منه السبع ، لأنه لو كان السبع أكله ، ما بقي منه شيء ، وأن  المقصود ما أكل منه السبع وبقي منه شيء ، والسبع هو كل حيوان مفترس ، فيدخل فيه الأسد ، والأصل هو الأسد ، لكن يدخل فيه النمر ، ويدخل فيه الفهد ، ويدخل فيه الذئب ، ويدخل فيه الكلب ، ويدخل فيه أي حيون مفترس ، وإن كان السبع في الأصل يطلق على الأسد ، ولكن المقصود هنا جميع السباع ، إذا مقصود ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾[المائدة: 3] أي وما أكل منه السبع ، إذا هذه خمسة أحوال لا تؤكل فيها بهيمة الأنعام ؛ تحرم : منخنقة ، موقودة ، متردية ، نطيحة ، أكل منها السبع ، لا تحل ، ثم استثنى فقال الله تبارك وتعالى : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾[المائدة: 3] كيف ذلك؟ أي إلا ما أدركتموه حياً فذكيتموه ، منخنقة قبل أن تموت ذكيناها ، موقوذة ضربناها بصخرة أو بشي فسقطت إلى الآن فيها حياة ذكيناها ،  متردية سقطت من عالي فأدركناها فيها الحياة ذكيناها ، نطيحة كذلك أدركناها فيها حياة ذكيناها ، السبع يأكل منها قبل أن تموت هرب السبع ذكيناها ، إذا ذكينا انتهى الأمر ، حسنا متى تدرك الذكاة؟ متى يقال ذكيناها؟ أهل العلم لهم كلام ، بعضهم يقول : إذاسقطت الأمعاء والمصارين وكذا فلا شك أنها ماتت ، حتى لو فيها روح تعتبر ميتة انتهى الأمر ، لكن أكثر أهل العلم قالوا : المهم فيها حياة ، المهم أن تكون ما زالت فيها حياة ، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى له كلام جميل في هذا الباب ، يقول : الحيوانات تختلف ، فمنها ما تكثر حركته قبل أن يموت ، ومنها ما تقل حركته ، منها ما تستمر الحياة فيه طويلا ، ومنها ما لا تستمر الحياة فيه طويلاً ، يقول : القاعدة عندنا ماذا؟ قول النبي ﷺ : (ما أَنهَر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه) ، العبرة إنهار الدم ، إذا ذكيت وخرج الدم معناها فيها حياة ، إذا ذكيت ولم يخرج الدم معناه أنها كانت قد ماتت انتهى أمرها ، فالعبرة إذا هي في بقاء الدم فيها وخروجه عند التذكية ، إذا سال الدم ؛ ساح ، صار دم مسفوحاً عند نحرها فهذه أدركناها ، وأما إذا ذبحنا وما خرج دم معناها هذه ماتت قبل أن ندركها ، فهذا هو الضابط عند ابن تيمية وهو قول جيد في هذه المسألة من شيخ الإسلام رحمه الله تبارك وتعالى. 

قال : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾[المائدة: 3] ثم قال : ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] يعني أيضاً حرام ، أيضا مما يَحرُم ما ذبح على النصب ، وقال بعض أهل العلم : على هنا بمعنى اللام ، فتكون وما ذبح للنصب ، والنصب هي أحجار كانت تعظم عند الجاهلية ، وذكر ابن جريج - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريد - :إنها ثلاثمئة وستون نصب ؛ أحجار كانت توضع حول الكعبة ، وتعظم هذه النصب ، وهي داخلة في قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 3] ، وإنما ذكرت وحدها لعظم جرمهم فيها ، وشناعة هذا الأمر ، ولذلك قال : ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾[المائدة: 3] ذكرها منفرد وإلا هي مما أهل لغير الله به ، إذا ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾[المائدة: 3] أي أسيلت دماؤه على هذه النصب وهي الحجارة التي حول الكعبة ، أو ذبح للنصب ؛ أي ذبحت لأجل هذه النصب ، أهل الجاهلية في السابق كان عندهم الأمر عادي جداً ، يأكلون ما أكل السبع ، يأكلون الموقوذة ، يأكلون المتردية ، يأكلون ما ذبح على النصب ، فجاء شرعنا وقال : لا، هذه فوضى ، فبين الحلال وبين الحرام ، قال : هذا حلال وهذا حرام ، الدم المسفوح حرام ، الخنزير حرام ، ما مات رغم أنفه حرام ، الموقودة المتردية النطيحة المنخنقة ما أكل السبع حرام ، ما أهل لغير الله به حرام ، ما ذبح على النصب حرام ، انتهى الأمر ، حسنا أين الحلال؟ البقية ، كما سيأتينا في الآية التي بعدها ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ  قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] ستأتي هذه في الآية التي بعدها ، لكن الشاهد هنا بين لهم ما يحرم ؛ كما قال في الآية السابقة : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1]. 

يقول ربنا تبارك وتعالى : ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: 3] الأزلام هي السهام ، كانت توضع في علبة ، ويضعون ثلاثة سهام ، سهم مكتوب عليه افعل ، سهم ثاني مكتوب عليه لا تفعل ، سهم ثالث فارغ ، أو يكتبون عليه أعد أو كذا ، فيجرب حظه يسحب لا تفعل ، فلا يفعل ، هذا الاستقسام بالأزلام ، أخرج السهم ، لا تفعل؟ فلا يفعل ، افعل يفعل ، أعد يعيد ، وهكذا ، ولما فتح الله تبارك وتعالى مكة لنبيه محمدٍ ﷺ ، دخل الكعبة فوجد كفار مكة أو من قبلهم قد رسموا صورة رجلين قالوا : هذا إبراهيم وهذا إسماعيل ، وصوروهما وهما يستقسمان بالأزلام ، الرسم موجود من قديم ، فأمر النبي بمسحهما أو بمسح هذه الصورة ، وقال : (والله لم يستقسما بالأزلام أبدا) ، أي يكذبون عليهما ، (والله لم يستقسما بالأزلام أبدا) ، ويذكرون أن سراقة ابن مالك لما خرج يبحث عن النبي وأبي بكر في الهجرة ، استقسم بالأزلام قبل أن يخرج ، وذكروا أن عبد المطلب جد النبي ﷺ لما نذر إذا رزقه الله عشرةً من الولد أنه يذبح أحد هؤلاء العشرة ، يذكرون أنه استقسم بالأزلام أيضاً و ذهب إلى الكاهنة فقال : نذرت أن أذبح أحد أولادي ، فماذا أفعل؟ قالت : استقسم بالأزلام ، وضع عشرة من الإبل مقابل أحد أولادك ، فوضع عشرة من الإبل واستقسم بالأزلام فخرج أعد ، حتى وصلت الإبل إلى مئة ، فخرج لا تفعل ، فذبح مئةً من الإبل وترك ولده عبد الله لم يذبحه ، لأنه خرجت القرعة على عبد الله والد النبي ﷺ ، هذا هو الاستقسام بالأزلام الذي كان يفعله أهل الجاهلية. قال : ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: 3]  أي حرم عليكم  أن تستقسموا بالأزلام ، ويقال له : زُلْم وزَلْم ، أو زُلَم وزَلَم ، واحد من الأزلام هذه ، ثم قال : ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3] ، ما هو الفسق؟ الفسق هو الخروج عن الطاعة ، وما المقصود بالفسق؟ كل ما مضى ؛ من أكل الميتة ، من  شرب الدم ، من أكل لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير الله به ، منخنقة ، موقوذة ، متردية ، نطيحة ، ما أكل السبع ، ما ذبح على النصب ، الاستقسام بالأزلام ، كل هذا فسق ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ [المائدة: 3] أي ما سبق ، ﴿فِسْقٌ﴾[المائدة: 3] أي خروجٌ عن الطاعة ، خروجٌ عن أمر الله تبارك وتعالى ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3] إذا فعلتموه. 

ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3] يقال :يئس وأيس ، معنهما واحد ؛ مرات تقدم الياء على الهمزة ومرات  تقدم الهمزة على الياء ؛ معناهما واحد ، أَيِسَ يَئِس ؛ واحد ، ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3] أي يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم ، أو يئسوا أن يضمحل الإسلام ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ٨﴾ [الصف: 8] ، ويقول النبي ﷺ : (إن الشيطان قد أَيِس أن يعبد في جزيرة العرب) ، لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي قال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] ، فالله جل وعلا يقول : الآن وصل الكفار إلى مرحلة أنهم يئسوا أن يردوكم عن دينكم ، اليوم ؛ هل اليوم مقصود هذا اليوم بالذات؟ أو المقصود في هذه الآونة ، في هذه الفترة ، بعد فتح مكة ، بعد ظهور الحق ؟ كل هذا وارد والظاهر الآونة ، أي هذه الأيام ؛هذه الفترة انتهى الأمر ، يئسوا ؛ وصلوا لمرحلة اليأس ، لا يوجد  مجال انتهى. ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3] أي الإسلام ، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3] ، وفيها  قراءتان:  فلا تخشوهم واخشونْ ؛ نقف عليها بالنون ، أو اخشوني بالياء ، والخشية هي الخوف ولكن الخشية تختلف عن الخوف أن الخشية فيها تعظيم ، ومحبة ، وعلم ، زيادة على خوف ، أي قد أخاف من هذا الشيء لكن لا أعظمه ، أخاف من هذا الشيء ولا أعلم عنه شيئاً ، أخاف من هذا الشيء ولا أحبه ، الخشية لا ، الخشية ينتظم معها التعظيم ، وينتظم معها العلم ، ولذلك قال الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] ، فالخشية درجة أعلى من درجة الخوف ، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ [المائدة: 3] أي لا تخشوا الكفار ، اخشوني أنا ؛ أنا القوي ، أنا العزيز ، أنا الذي إذا أردت أمراً إنما أقول له كن فيكون ، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾[المائدة: 3]. 

ثم قال سبحانه وتعالى ممتناً على المؤمنين : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] ، هذا لما حج النبي ﷺ في السنة العاشرة ، هذا قبل وفاة النبي ﷺ بأيام ؛ قريب من ثلاثة وثمانين يوم ، أي شهرين وشيء ، لأن هذا كان في يوم جمعة في يوم عرفة في التاسع من ذي الحجة ، وإكمال ذي الحجة ثم عندنا شهر محرم ، صفر ، في الثاني عشر من ربيع الأول توفي النبي ﷺ ؛ تقريبا ثلاثة أشهر ثم توفي ﷺ بعد نزول هذه الآية ، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة: 3] وأيضاً اليوم قال أهل العلم : ليس المقصود اليوم أي يوم الجمعة ، يوم عرفة ، وإنما اليوم أي الآن ، بمعنى الآن ، اليوم أي في هذه الآونة ، في هذه الفترة ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] وإكمال الدين هنا ، قال بعض أهل العلم : معناه ما نزل شيء من الحلال والحرام بعد هذه ، غير صحيح  وإنما الذي نزل الغالب ، الجملة ، وإلا ذكر أهل العلم أنه نزل بعد ذلك بعض آيات الربا ، نزل بعد ذلك آية الكلالة في آخر النساء ، نزل بعد ذلك بعضهم قال : آية الدين ، وبعضهم قال : قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] ؛ أي نزلت آيات يقيناً ، نزل القرآن ، لكن هل فيها أحكام أو ليس فيها أحكام؟ فيها خلاف بين أهل العلم ، والأظهر أن فيها أحكام ، ولكن المراد هنا جل الأحكام ، أغلب الأحكام ، قد تمت وانتهى ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] وإتمام النعمة فضل عظيم من الله تبارك وتعالى ، كما قال : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ [الفتح: 2] الله أكبر ، إتمام النعمة شيء عظيم ، من الله تبارك وتعالى ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] ، قال : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] المقصود هنا شريعة الإسلام ؛ وإلا الإسلام بمعنى الاستسلام لله هو دين جميع الأنبياء ، وإنما أراد الإسلام المخصوص ، الإسلام الذي جاء به محمد ، شريعة محمد ﷺ ، جاء في الصحيح أن يهودياً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : آية من كتاب الله لو نزلت علينا معاشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال عمر : أي آية؟ قال اليهودي : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] ، فقال عمر : أما إني أعلم أين نزلت ، ومتى نزلت؟ نزلت في يوم عرفة ، في الحج ، يوم الجمعة ، حسنا لماذا ما اتخذه عمر دينا؟ أو لم يتخذه المسلمون عيدا؟ الآن هل عندنا عيد في يوم التاسع من ذي الحجة؟ ليس عندنا عيد ، العيد العاشر يوم النحر ، ما اتخذناه عيداً ، لماذا؟ لأن العيد دين وعمل توقيفي ، عمر قال : أدري متى نزلت؟  ومع هذا ما اتخذناه عيداً ؛ لأن القضية توقيفية ، نحتاج إلى نص شرعي ، ولذلك قال الإمام مالك : ما لم يكن في زمن رسول الله ﷺ دينا فليس اليوم دين. هذه ميزة هذه الأمة ، توقيف ، لا نألف دين من عندنا ، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] لا ، المشرع هو الله ، والمبلغ هو النبي ﷺ. 

قال : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾[المائدة: 3] فيها ثلاث قراءات : فمنِ اضطر - كسر النون لالتقاء الساكنين -  واضطُر بضم الطاء ، في قراءة ثانية ؛ فمنُ - بضم النون - فمنُ اضطُر - بضم النون وضم الطاء -  فمنُ اضطُر ، والقراءة الثالثة ؛ أيضاً بضم النون لكن بكسر الطاء ، فمنُ اضطِر ، هذه ثلاث قراءات قرأ بها النبي الكريم ﷺ ، والاضطرار هو الضرورة ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] المخمصة هي الجوع ، كما قال النبي ﷺعن الطير : (تغدو خماصاً وتروح بطانا) ، خماصاً أي البطن لاصق بالظهر ؛ من الجوع ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3]  لكن قيدها قال : ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] ، كما قال في الآية الآخرى في البقرة : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]  ؛ العدوان ، لا بغي ولا عدوان ، وإنما لحاجة ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] لكن بشرط ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] أي غير مائل ، متجانف ؛ الجنف أي الميل ، غير مائل إلى إثم ، لا يقصد المعصية ، وإنما يقصد  أن يُحَصِّلَ هذا الطعام لكي يعيش ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] لأكل الميتة ، لأكل الخنزير ، ما سبق كله ، أي الذي حرم علينا ، لو وصل الإنسان إلى حال الضرورة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] بشرط أنه يكون ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] فجائز لا شيء عليه ، فلا إثم عليه ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] هنا مسألة ؛ لو قدر وإن شاء الله لا يُقَدَّر ، لكن لو قدر أن احداً وصل لهذه المرحلة ، اضطر وليس عنده إلا الميتة ، هل يأكل أو لا يأكل؟ يقول أهل العلم : إذا كانت القضية حياة وموت يجب عليه أن يأكل ، لا يجوز له أن لا يأكل بحيث يموت ، لا يجوز ، يجب أن يأكل ، حتى يبقي على حياته ، وإلا بعضهم قال : هذا انتحار إذا لم يأكل ، إذا أكل وهو يأكل الميتة ، يأكل ويستغفر ، أم  يقول : بسم الله والحمد لله أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة ، أو يأكل كارهاً ويستغفر؟ ماذا يفعل؟ اختار شيخنا رحمه الله تبارك وتعالى : أنه يأكل ويحمد الله ، أنه من رحمته سبحانه وتعالى أباح له أن يأكل الميتة في مثل هذه الحالة ، بل يأكل ويحمد الله سبحانه وتعالى ، لأنه من رحمة الله أن شرع لنا أكل الميتة في مثل هذه الحالة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ  فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] ، حسنا هل يأكل فقط ليسد الجوع خشية الموت أم يأكل حتى يشبع أي يتلذذ؟ خلافية بين أهل العلم وهذه مجالها  درس الفقه ، وقد تكلمنا عنها في درس الدليل بالتفصيل ، لكن الشاهد من هذا أن الإنسان إذا وصل إلى مرحلة الاضطرار فإن القاعدة الشرعية تقول : الضرورات تبيح المحظورات ، لكن أيضاً مقيدة بقاعدةٍ آخرى ؛ تقدر الضرورة بقدرها. 

قال : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] يقول أهل العلم فيها تقديرمحذوف أيضاً ، ما هو التقدير المحذوف؟ التقدير المحذوف وهو قول الله تبارك وتعالى : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] فأكل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾[المائدة: 3] له ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] ؛ لأنه ما ذكر الأكل ، قال : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] حسنا اضطر ثم ماذا؟  أكل ، لا بد أن يكون أكل ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] فأكل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾[المائدة: 3] له ، أو لفعله هذا ، أو لأكله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣﴾ [المائدة: 3] سبحانه وتعالى ، سبحانه من وسعت رحمته كل شيء ، سبحانه وتعالى. 

أسأل الله تبارك وتعالى يرحمنا وإياكم برحمته ، وأن  يجنبنا غضبه ، والله أعلى وأعلم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الآن نبدأ بالاسئلة ، 

 

يقول : هناك فضل عند حفظ سورة البقرة وآل عمران ، هل ورد في السنة فضل عند سورة المائدة؟ 

سورة المائدة بشخصها لا ، لكن ورد فضل في حفظ القرآن (اقرأ وارتق ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) أي أي شيء تحفظه من القرآن ، أما سورة المائدة بذاتها لا أعلم أنه ورد فيها فضل خاص بها. 

 

من آيات سورة المائدة ، هل من الوفاء بالعقود لو اتفق اثنان ، وكان هناك شهود وبدون كتابة عقد هل يدخل في الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]؟ 

طبعاً ، ليس كل الناس عندهم شيء يكتبونه ، وإنما الكتابة للتوثيق ، يقول بعضهم : لا يعرف الكتاب ؛ في بادية مثلاً لا يعرفون الكتابة فهذا يكفيه بالكلام ، اتفاقهم يكون بالكلام ووجود شهود يكفي. 

 

يقول : هل يجوز الذبح بغير السكين؟ 

نعم ، يجوز الذبح بغير السكين ، (ما أنهر الدم) يقول النبي ﷺ ، أي شيء حاد يجوز الذبح به ، ما عدا السن والظفر ، كما قال ﷺ : (أما السن فعظم وأما الظفر فمُدَاء الحبشة) ، ففقط السن والظفر لا يجوز ، أي شيء حاد يجوز القتل فيه أو الذبح فيه ؛ الزجاج ، الخشب الحاد ، سكين ، سيف ، خنجر ، بندقية إذا كانت  تخرق الجسد ؛ (ما أنهر الدم) كما قال النبي ﷺ. 

 

يقول : ما الفرق بين الإثم والخطيئة وأيهما أشد؟ 

بعضهم يقول : الإثم ؛ ما يقع من الإنسان وقد لا يكون قاصداً له ، أما الخطيئة ؛ فهي مقصودة لذاتها ، قصد هذه الخطيئة ، ولكن يعبر الله تبارك وتعالى : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾[النساء: 112] لم يفرق بينهما سبحانه وتعالى ، إن قلنا أن "أو" هنا  للتكرار أي بمعنى الواو ، أو قلنا للتنويع فتكون الخطيئة غير الإثم ، وبعضهم قال : الإثم في حق الناس ، والخطيئة في حق الغير ، والله أعلم. 

 

طريقة النفث عندما أقرأ الرقية وما الوقت الذي أنفث فيه ، قبل القراءة أوبعدها؟ وهل تكون صباحاً أو مساء؟

كله جائز ؛ تجوز صباحاً تجوز مساءً ؛ تجوز قبل القراءة تجوز بعد القراءة أثناء القراءة ؛ كل هذا جائز إن شاء الله تعالى. 

 

هل هي محصورة لدعاء وآيات محددة؟ 

لا أبداً ، وإنما هذه غالباً تكون يعني جُرِّبت ، ما عدا ما جاء في النص عن النبي ﷺ ، وهو عند النوم ، أي  ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١﴾[الإخلاص: 1] ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١﴾ [الفلق: 1] ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١﴾ [الناس: 1] ، وينفث في يده ويمسح على سائر جسده.

 

إذا طلق الرجل زوجته وجامعها بعدها هل تعتبر طلقة أولى؟ وهي يحتاج عقد جديد بعدها؟ 

إذا طلق الرجل زوجته ثم جامعها ، وكانت هذه الطلقة الأولى أو الثانية ؛ ليست الثالثة ، كانت الطلقة الأولى أوالثانية ثم جامعها ، مجامعته لها إرجاع ، فتكون رجعت إلى ذمته ولا يحتاجون إلى عقد ؛ لأنها أصلاً هي ما خرجت من ذمته ، ولذلك المطلقة الرجعية يقال عنها : زوجةٌ معلقة ، له أن يراجعها خلال فترة العدة ، فإذا انقضت العدة ولم يراجعها ، فقد خرجت من ذمته ، والله أعلى وأعلم. 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  

شارك