1 - تفسير سورة المائدة الآية ( 1 - 2 ) - عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مساكم الله بالخير ، وأسعد الله أوقاتكم ، وأهلاً وسهلاً بكم ، نحن  في ليلة الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة لسنة إحدى وأربعين وأربعمئة بعد الألف ، الموافق لليلة الخامس عشر من شهر أغسطس لسنة عشرين وألفين ، و نبدأ بحول الله تبارك وتعالى ، وطوله ، وقوته ، وتيسيره جل وعلا درس التفسير الذي كنا نؤديه بحضور ثلة طيبة مباركة من المؤمنين والمؤمنات ، والآن لوجود هذا الفيروس منعت الدروس في المساجد وحضور الناس لها لذلك آثر الإخوةأن نبدأ ، أو نستمر في هذه الدروس ولوعن طريق الإنستقرام ثم تنتشر بعد ذلك والله المستعان ، فحياكم الله ، وبياكم ، وجعل الفردوس مثواي ومثواكم ، وأذكركم وأذكر نفسي بقول النبي ﷺ لأصحابه يوماً : (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان أو العقيق فيرجع بناقتين كوماوين) عظيمتين (من غير ما إثم ولا قطيعة رحم) قالوا : كلنا يحب ذلك يا رسول الله ، قال : (لإن يغدو أحدكم إلى المسجد ، فيتعلم آيتين خيرٌ له من ناقتين ، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث ، وأربعٌ خيرٌ من أربع ، ومن أعدادهن من الإبل) ، فأسأل الله تبارك أن لا يحرمني وإياكم الأجر ، وأننا فعلاً أمضينا وقتاً من يومنا لنتعلم آيتين من كتاب الله تبارك وتعالى ، أو ثلاثٍ أو أربع بحسب ما ييسر الله تبارك وتعالى لنا ، فأسأل الله تبارك وتعالىأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوما ، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوما ، وأن لا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ، ولا محروما ، اللهم آمين.

نبدأ بالحديث عن سورة المائدة ، سورة المائدة سميت بهذا الاسم ؛ لأنها ذكرت فيها قصة المائدة في آخرها ، في قول الله تبارك وتعالى : ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ  قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١١٢﴾ [المائدة: 112] إلى آخر الآيات ، فلأنها ذكرت في آخر السورة لذلك سميت هذه السورة بسورة المائدة ، وهي معروفة عند الصحابة وعند النبي ﷺ بسورة المائدة ؛ بهذا الاسم ، ولذلك قال الجبير بن نفير : قالت لي عائشة : يا جبير أتقرأ المائدة؟ أي تحفظ المائدة؟ قلت : نعم ، قالت : أما إنها آخر سورةٍ نزلت ، فهي إذا معروفة بسورة المائدة ، واسمها توقيفي من لدن النبي ﷺ ، وهذه السورة سورة المائدة من السبع الطوال ، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال : (أوتيت السبع الطوال مكان التوراة ، وأوتيت المئين مكان الزبور ، وأوتيت المثاني مكان الإنجيل ، وفضلت بالمفصل) ، السبع الطوال المعروف عند أهل العلم هي : سورة البقرة ، وسورة آل عمران ، وسورة النساء ، وسورة المائدة وسورة الأنعام ، وسورة الأنفال ، وسورة الأعراف. هذه السبع الطوال ، وبعضهم يجعل التوبة مكان الأنفال ، فيكون هذه السبع الطوال ، والمئين بعضهم قال : من يونس إلى سورة الحجرات ؛ هذه يسمونها المئين ، وبعضهم قال : المئين هي السور التي تجاوزت المئة آية ؛ أي أكثر من مئة آية ، (وأوتيت المثاني مكان الإنجيل) ، المشهور عند أهل العلم أن المثاني هي الفاتحة ، سورة الفاتحة هي المثاني التي أوتيه النبي ﷺ ، وقيل المثاني : هي ما دون المئين ؛ أي ما أقل من المئة آية ، والمفصل هو من الحجرات إلى سورة الناس ؛ إلى آخر القرآن هذا يقال له المفصل ، سورة المائدة سورةٌ مدنية ، نقرأها ، ثم بعد ذلك نتكلم عن  تفسير آياتها. 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا  وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا  وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٢﴾ [المائدة: 1-2] هاتان الآيتان من سورة المائدة هما اللتان سنتكلم عنهما في هذه الليلة ، التي أسأل الله جل وعلاأن يجعلها علينا جميعاً مباركة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء من الله تبارك وتعالى للمؤمنين ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد مر بنا كثيراً ما روي عن عبد الله بن مسعود ؛ وإن كان فيه كلام في ثبوته،  ولكن هو مشهورٌ جداً عنه ينقله أكثر المفسرين إذا سمعت الله جل وعلا يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾  فأرعها سمعك ، فإما خير يأمرك الله به ، وإما شر يحذرك الله منه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذاً يخاطبنا ، أنت مخاطب ، أنت مخاطبة ، أنا مخاطب ، كل مؤمنٍ مخاطب بهذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾  قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ العقود هي ؛ العهود ، كما نقل الطبري الإجماع على ذلك ؛ أن العقود هي العهود ، والعقود مأخوذة من عقدت الحبل ؛ إذا ربطته ، إذا ربطت الحبل يقال عقدت الحبل ، فلان عقد الحبل ، وعكسه حللت الحبل ، اذا تركت عقده ، أو فللته ، فيقال : حللت الحبل ، إذاً عقدت أي ربطت الحبل ، وعكسه حللت الحبل إذا  فللته وتركت هذه العقد ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ما هي العقود؟ قال بعضهم : العقود هذه هي عقود الجاهلية ، التي لا تنافي الإسلام ، أو لا يمنع منها الإسلام ، أو يشجعها الإسلام ، وهي التي لا تحرم حلالاً ولا تحل حراماً ، ومنها ما كان من حلف الفضول وحلف المطيبين ، والنبي ﷺ ذكر حلف الفضول وقال : (لو دعيت) - وكان حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان التيمي – يقول : (لو دعيت إلى مثله لأجبت) ، (لو دعيت إلى مثله) في الإسلام (لأجبت) هذا حلف الفضول ، وكانوا قد تحالفوا على نصرة المظلوم ، أي مظلوم ، بغض النظر عن ظالمه ؛ أي مظلوم يأتيهم يقومون معه ينصرونه ، وهذا شيء طيب ، ولذلك النبي ﷺ يقول : (لو دعيت إلى مثله لأجبت) أي لو دعيت إلى مثل هذا الحلف لأجبت ؛ حلف الفضول ، هذا الحلف ؛ حلف الفضول يذكرون أن الحسين بن علي رضي الله عنهما كانت هناك مخاصمة بينه وبين أمير المدينة في زمن معاوية رضي الله عنه ؛ وأمير المدينة في ذلك الوقت هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، فكانت مخاصمة مالية بين الحسين وبين الوليد بن عتبة ، فقال له الحسين : أنصفني - أعطني حقي - فلم يعطه حقه ، فقال الحسين : والله لتنصفني - أي لتعطيني حقي – والله لتنصفني أو لأحملن سيفي ، ولأدخلن مسجد رسول الله ﷺ ، ولأدعون إلى حلف الفضول ، فقام عبد الله بن الزبير قال : والله لإن فعل ذلك لأحملن سيفي ، ولأكونن معه ، فسمع ذلك المسور بن مخرمة فقال : والله لإن فعل ذلك لأحملن سيفي ولأقومنَّ معه ، ثم سمع عبد الرحمن بن عثمان التيمي فقال : والله لإن فعل ذلك لأحملن سيفي ولأقومن معه. أي لنعيدن حلف الفضول ، ونأخذ الحق للمظلوم من الظالم ، فلما سمع بذلك الوليد بن عتبة قال للحسين : تعال أنصفك ، فأنصفه وأعطاه حقه. العقود إما أن تكون إذاً عقود الجاهلية التي لا تنافي الإسلام ، ويشجع الإسلام مثلها ؛ كحلف الفضول مثلاً ، أو العقود التي بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى ؛ كأن عاهد الله ليتصدقن ، عاهد الله ليلتزمن ، عاهد الله ليستقيمن ، عاهد الله أن لا يظلم ، عاهد الله أن لا يسرق وهكذا ، هذه عهود بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى ، ويمكن أيضاً أن تكون العقود المقصودة هنا هي التي بين العباد أنفسهم ، كعقد الزواج ، وعقد البيع والشراء ، وعقد المداينة ، وعقد الاستئجار ، وغير ذلك من العقود التي تكون بين الناس ، وقد اختار كثير من أهل العلم أن الآية تشمل هذا كله ؛ تشمل عقود الجاهلية وعهوده التي لا تنافي الإسلام ، تشمل العقود والعهود التي بين العبد وربه ، وتشمل كذلك العقود والعهود التي بين العباد أنفسهم ، كل هذه تكون داخلة في قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي التزموا بهذه العقود. 

﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ ، من الذي أحل؟ هو الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾[الشورى: 21] الذي يحلل ويحرم هو الله سبحانه وتعالى ، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ سميت بهيمة ، لأنها لا تعرِب عما في نفسها ، ومنه ليلٌ بهيم ؛ مظلم ، لا يستفاد منه ، أي لا يستطيع الإنسان أن يفعل فيه شيئاً ، والبهيمة قيل لها بهيمة لأنها لا تعرب عن نفسها ، لا تستطيع أن تقول ما تريد ، ولذلك قال عنترة عن فرسه :

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى         ولكان لو علم الكلام مكلمي

لكنه بهيمة لا يستطيع ، فالبهيم هو الذي لا ينطق ، لا يعبر عما في نفسه ، ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الأنعام على المشهور من كلام أهل العلم هي : الإبل والبقر والغنم بنوعيها ؛ ونوعاها هم : الضأن والماعز ، والضأن هو الخروف والنعجة ، والماعز هو التيس والسخلة ، هذه هي الأنعام ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا  كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ١٤٢ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 142-143] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ  قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ  نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٤٣ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ  قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143-144] ، طبعاً ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] أي الذكر والأنثى ؛ الخروف والنعجة ، ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] أي التيس والسخلة ، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] البعير والناقة ، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] الثور والبقرة ، فهذه هي الأنعام ، وهنا قول الله تبارك وتعالى : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾  حسنا أحلت لنا ، من الذي حرم؟ أهل الجاهلية كانوا يحرمون ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ  وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾[المائدة: 103] الكفار ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103] حرموا السائبة والوصيلة والحام والبحيرة ، فقال : لا ، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ، وهذا فيه رد على أهل الجاهلية الذين حرموا بعض هذه الأنعام ، أو يكون المعنى ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ أي فدعوا ما حرم عليكم ، يوجد فيما أباح الله كفاية ، وهذا في كل شيء ، المباح أكثر من المحرم ، المحرم قليل مقابل المباح ؛ سواءً في الطعام ، سواءً في الزواج ، سواءً في أي معاملات ، في أي شيء ، المباح أكثر بكثير ؛ لا مقارنة بين المباح وبين المحرم ، وهنا يقول ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ، ثم قال : ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال أكثر المفسرين : ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي ما سيتلى عليكم ، وهي في الآية التي بعد هاتين الآيتين ؛ قول الله تبارك : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] هذه الأشياء هي التي ستتلى ، لماذا؟ لأنه قال : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا﴾ إستثناء ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي ما سيتلى عليكم ، وهي : المنخنقة من الأنعام ، المتردية من الأنعام ، النطيحة من الأنعام ، الموقوذة من الأنعام ، ما أكل السبع من الأنعام ، ما ذبح على النصب من الأنعام ، إذا الأصل في الأنعام أنها حلال ، لكن إذا كانت هذه الأنعام ؛ إبل أو بقر أو غنم مخنوقة ، أو متردية ، أو نطيحة ، أو موقوذة ، أو أكلها السبع ، أو ذبحت على النصب فهنا محرمة ، إذاً قول الله تبارك وتعالى : ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي إلا ما سيتلى عليكم في كتاب الله تبارك وتعالى ؛ في الآية التي بعد هاتين الآيتين.

قال : ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيضاً استثناء آخر ؛ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾  ففيما أحل الله لكم غناء عما حرمه عليكم ، لكن انتبهوا ، لا تصيدوا وأنتم حرم ، لا تحلوا الصيد وأنتم حرم ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حرم أي متلبسون بالإحرام ، بحجٍ أو عمرة  أي الإنسان قال : لبيك اللهم عمرة أو لبيك اللهم حجاً وعمرة ، أو لبيك اللهم حجاً ؛ بغض النظر ، المهم متلبس بالإحرام ، وأنت حرم يحرم عليك الصيد الذي كان مباحاً ، غير هذه الأنعام ، من الصيد؛ صيد البر الوحشي المأكول ، كالغزال والأيل والطيور وغير ذلك من الأمور ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهنا حُرُم تشمل أمرين ، تلبس الإنسان بالإحرام بحج أو عمرة ، أو كونه في داخل الحرم ، ولو لم يكن متلبساً بإحرام ، إذ لا يجوز الصيد داخل الحرم  ، إذا وأنتم حرم ؛ متلبسون بالإحرام أو جالسون في الحرم ، فإن هذا ممنوع ؛ أن يصيد الإنسان في مثل هذه الحال ، فمرة يتكلم عن الصيد نفسه ، ومرة يتكلم عن الصائد ، فالصيد نفسه أن لا يكون داخل الحرم ، والصائد أن لا يكون متلبساً بحج أو عمرة ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١﴾ [المائدة: 1] يحل ما يشاء ، يحرم ما يشاء ، يوجب ما يشاء ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54] ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى ، هو الحكيم الحاكم سبحانه وتعالى ، يفعل ما يريد ، وهذه الإرادة سواءً كانت إرادة شرعية ، أو إرادة قدرية منه سبحانه وتعالى ، يفعل ما يشاء جل وعلا ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١﴾ [المائدة: 1]. يذكر بعضهم ؛ ذكر ذلك النقاش المفسر ؛ ذكر أن يعقوب بن إسحاق الكندي ؛ المعروف ، الفيلسوف الكندي ، وهذا الكندي فيلسوف كان في زمن الإمام أحمد ، زمن الشافعي أي في خلافة المأمون ، خلافة المعتصم كان موجوداً ؛ في القرن الثالث الهجري ، الفيلسوف هذا الكندي بعضهم يتهمه بالإلحاد ، وبعضهم يقول : لا هو مسلم لكن دخل في الفلسفة و غير ذلك ؛ بغض النظر ؛ لا يهمنا أمره أمره إلى الله سبحانه وتعالى ، لا نتدخل في حياة الناس مع ربهم تبارك وتعالى ، لكن المشهور عنه ، هذا الكندي كما ذكر ذلك النقاش ؛ أنه جاءه تلاميذه ، فقالوا له : ألا تصنع لنا مثل هذا القرآن؟ فقال : أمهلوني أياماً حتى أرى وأنظر في الأمر ، فانقطع عنهم أياماً ، ثم خرج إليهم ، فقالوا : ها ما صنعت؟ أي هل صنعت لنا مثل هذا القرآن؟ قال : قد عزمت على ذلك ، فتحت المصحف فخرجت لي سورة المائدة ، فقرأت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١﴾ [المائدة: 1] ، فرأيت أن الله تبارك وتعالى قد أمر ونهى ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] مفهومها أيضاً لا تنقضوا العهود ، رأيت أن الله أمر ونهى ، ثم أباح إباحةً عامة ، ثم استثنى ، ثم استثنى من المستثنى ، ثم أمر ، ثم بين حكمته وقدرته في سطرين ، قلت ومثل هذا لا يؤتى إلا في أجلاد ؛ أي مجلدات ، فلا والله لا يؤتى بمثله أبدا. بغض النظر عن صحة القصة أو عدم صحتها ، خاصةً أن النقاش المفسر متهم عند بعض أهل العلم بالكذب ، فالأصل السلامة بالنسبة للكندي ؛ الله أعلم ، أمره إلى الله تبارك وتعالى ، لكن المهم أن فعلاً هذه الآية جاء فيها نداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[المائدة: 1] ، ثم أمر متضمنٌ للنهي ، ثم إباحة عامة ، ثم استثناء ، ثم استثناء ؛ الاستثناء الأول الإباحة العامة ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] الاستثناء ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1] ، ثم استثناء ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1] وهذه بعضهم يسميه احترازاً ، ثم بعد ذلك إخبار ؛ وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١﴾ [المائدة: 1] سبحانه وتعالى. 

ثم قال جل وعلا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] أيضاً نداء ثاني ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] شعائر الله هي أوامره ونواهيه ، أي لا تفعلوا ما نهى عنه ، ولا تتركوا ما أمر به ، لا تحلوا شعائر الله بعدم الالتزام بها ، والشعائر أضيفت إلى الله من باب التشريف ، وكل شيءٍ أضيف إلى الله فلا يخلو من أمرين : الأمر الأول ؛ أن يضاف إلى الله وهو عينٌ قائمةٌ بذاتها ، الأمر الثاني ؛ أن يضاف إلى الله وهو ليس عيناً قائماً بذاته ، مثل ماذا؟ عندما يقال : شعائر الله ؛ شعائر الله أعيان قائمة بذاتها ؛ حج عمرة ، أوامر نواهي ؛ قائمة بذاتها ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] المحرمات ، المباحات ؛ من باب التعظيم لهذه الشعائر؛ الصلاة ، الحج ، الكعبة ، من شعائر الله تبارك وتعالى ، الصفا ، المروة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾[البقرة: 158] هذه شعائر الله ؛ أشياء قائمة بأعينها بذاتها ، فهذه الإضافة إضافة تشريف ، كقولك بيت الله ؛ بيت الله إضافة تشريف ، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣﴾ [الشمس: 13] إضافة تشريف ، عبد الله ؛ معروف الإنسان ، إضافة تشريف ، فهذه الإضافات إضافات تشريف لمن أضيف إلى الله تبارك وتعالى ، وهناك أشياء ليست أعيانا قائمة بذاتها ؛ رحمة الله ، لا يوجد شيء اسمه رحمة الله تمشي ؛ إذا رحمة الله صفة لله تبارك وتعالى ؛ لأنها ليست عيناً قائمة بذاتها ، قدرة الله ليست عيناً قائمة بذاتها إذا صفة لله تبارك وتعالى ، عزة الله صفة لله تبارك وتعالى ، رضا الله صفة لله تبارك وتعالى ، لماذا؟ لأنها ليست عيناً قائمة بذاتها ، وخذ بعد ذلك وجه الله ، يد الله ، وما شابه ذلك من الصفات التي لا تقوم بذاتها إلا مع غيرها ، فهذه صفاتٌ لله ، هذه القاعدة فيما أضيف إلى الله تبارك وتعالى ؛ إن كان عيناً قائمةً بذاتها فهو تشريف ، وإن  كانت ليست عيناً قائمة بذاتها فهي صفة لله تبارك وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] ثم قال : ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] هذه كلها من شعائر الله ، حسنا هو لم يكتفي سبحانه وتعالى بقوله : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾[المائدة: 2] وإنما ذكر بعضها ، وهذا يسمونه عطف الخاص على العام ، وقال : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾[المائدة: 2] هذا نص العام ، ثم ذكر بعض أفراده ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ﴾ [المائدة: 2] هذه كلها من شعائر الله ، فإذاً هو من باب ذكر الخاص بعد العام ، أو ذكر بعض أفراد العام ؛ للتنبيه إليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾[المائدة: 2] الشهر الحرام هنا المراد به جنس الشهر الحرام ، أي الأشهر الحرم ، لأن الأشهر الحرم أربعة ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ [التوبة: 36] فتسمى الأشهر الحرم ، يقول النبي ﷺ : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعةٌ حرم ؛ ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ،ورجب الذي بين شعبان و جمادى) إذاً هذه الأشهر الحرم ؛ أربعة أشهر ، فهنا ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] أي ولا الأشهر الحرم ، الشهر الحرام ؛ جنس ، مثلاً تقول الكتاب ؛ الكتاب الكتب ، يا أيها الإنسان ؛ جنس الإنسان ، والمقصود الناس ، فهنا ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] أي الأشهر الحرم ، ومنها قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾[البقرة: 217] ، أي القتال في الأشهر الحرم ، الأشهر الحرم كما قلنا أربعة ؛ أولها ذو القِعدة ، ويجوز ذو القَعدة - أي بفتح القاف أو كسرها - ذو القَعدة وذو القِعدة ، وذو الحِجة ويجوز ذو الحَجَّة ، ومحرم ، ورجب ، يقول : ثلاثةٌ سرد وواحدٌ فرد. سرد لأنها متصلة ببعضها ؛ ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم محرم ؛ الشهر الحادي عشر والثاني عشر والأول ، ثم رجب لوحده ؛ لأن بعد محرم يأتينا صفر ، ثم ربيع أول ، ربيع ثاني ، جمادى الأولى ، جمادى الثانية ، ثم رجب ، ثم شعبان ، ثم رمضان ، ثم شوال ، ثم ذو القعدة ، فإذاً رجب منفصل عن الأشهر الحرم ، ويسمى رجب مُضَر ، لماذا سماه النبي رجب مضر؟ لأن مضر ؛ قبيلة مضر التي منها النبي ﷺ  كانت تعظم هذا الشهر ، بينما كثير من العرب كانوا يتلاعبون بهذا الشهر ، يحولونه ؛ أي يغيرون الأشهر حتى لا يصير حراما ، عندما يريدون القتال في هذا الشهر فيقولون : الشهر الحرام رجب نغير مكانه ، وهذا من الضلال والعياذ بالله ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾[التوبة: 37] فالنسيء هو تأخير الأشهر واللعب بالأشهر. رجبُ مُضَر ؛ سمي رجب مضر لأن قبيلة مضر التي تتبعها قريش ، وتميم وغيرها من القبائل ، هذه القبيلة كانت تعظم هذا الشهر ، وتسميه مُنَصِّلُ الأسنة ، وتسميه شهر الصمت ، أو الأصم ، مُنَصِّلُ الأسنة ، لماذا منصل الأسنة؟ لأنهم في هذا الشهر يأتون إلى الرماح وينزعون السن ؛ الذي هو الرمح ؛ السن الذي في الرمح ينزعونه حتى لا يقاتلوا في هذا الشهر ، منصل الأسنة يسمونه ، ويسمونه الأصم أو شهر الصمت ، لماذا أصم؟ قالوا : أصم لأنه لا تسمع فيه قرقعة السلاح ، ليس فيه قتال. 

فقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] ، أي لا يجوز القتال في الشهر الحرام ، وهنا مسألة فقهية وهي : هل هذه الآية منسوخة أو غير منسوخة؟ المشهور أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ، وقيل : هذه من المنسوخ في سورة المائدة ؛ على خلاف بين أهل العلم هل هذه من المنسوخ أو لا؟ نقل الطبري رحمه الله الإجماع أن هذا منسوخ ، وأنه أذن للنبي بالقتال في الأشهر الحرم ، والدليل ماذا؟ قالوا : الدليل على إنها فعل النبي ﷺ حيث قاتل في الشهر الحرام. متى قاتل في الشهر الحرام؟ قالوا : في  حنين في ذي القعدة ، وتبوك كانت في رجب ، فإذا  يجوز القتال في الأشهر الحرم. على كل حال ذهب بعض أهل العلم وهو اختيار شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى  : أن هذا غير منسوخ ، وأن  القتال في الأشهر الحرم محرم ، وعلى أصله ، لنص الآية ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] ، وقول الله تبارك وتعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾[البقرة: 217] فهذه نصوص صريحة ، وكذلك قول النبي ﷺ : (منها أربعةٌ حرم) ، وقول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] ثم قال : ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] ، فقال : نصوص صريحة جداً في تحريم هذه الأشهر ، ما الذي نسخها؟! قالوا : فعل النبي ﷺ ؛ قاتل في رجب في تبوك ، وقاتل في ذي القعدة في حنين ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : وهذا لا يستقيم لهم ؛ لأن الأصل في معركة حنين أنها كانت في شوال ؛ بعد فتح مكة في رمضان في شوال انطلق النبي ﷺ إلى حنين ، فحنين كانت في شوال وليست في ذي القعدة ، لكن استمرت إلى أن دخل شهر ذو القعدة ، وتبوك كانت أصلاً هي هجوم من الكفار على المسلمين أو استعداد لقتال المسلمين فكان رد فعل ، فإذا كان الكفار هم الذين هاجموا المسلمين أو استعدوا لقتال المسلمين جاز للمسلمين أن يبادلوهم ذلك ، لكن لا يبدأ المسلمون بالقتال في هذه الأشهر ؛ وهذا هو القول الأقرب والعلم عند الله تبارك وتعالى ، وتبقى هذه الأشهر حرماً إلى يوم القيامة ، ولكن إذا بدأَنا الكفار بالقتال أو استعدوا لقتالنا فلا مانع أبداً أن نستعد لقتالهم ولو كان في الأشهر الحرم والعلم عند الله جل وعلا. 

﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] لا تحلوا الهدي أي لا تعتدوا على الهدي ، والهدي هو ما يهدى إلى بيت الله تبارك وتعالى ، من الحجاج ، والعُمَّار ،أو غيرهم  ممن لم يحج أو لم يعتمر ، النبي ﷺ أهدى في حجه ، وأهدى في عمرته ، وأهدى في السنة التاسعة ولم يحج ولم يعتمر ، هذا ما يسمى الهدي ؛ وهو ما يقدم إلى بيت الله تبارك وتعالى من الأنعام  ؛ الإبل والبقر والغنم ، هذا من الهدي ، لا تحلوا الهدي أي لا تعتدوا على الهدي ، أو لا تتركوا الهدي ، استمروا بالهدي. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] القلائد ، هي ما يقلد الهدي به ، كانوا يأتون لهدي مثلا يعلقون عليه مثلا خيوطا ، أو يعلقون عليه مثلا نعالا ، أو يعلقون عليه أي شيء بحيث الذي يراه يقول هذا هدي ، هذه رسالة إلى من يراه أن هذا هدي ، لماذا؟ حتى أن اللصوص وقطاع الطرق وغيرهم إذا رأوا الهدي يمتنعون ، يقولون : لا ؛ هذا أهدي لبيت الله ، فنبحث عن غيره ، أو ضاع الهدي من صاحبه فلقيه أحد ، فقال : هذا هدي ، لأنه مقلد ، فيأخذه ويوصله إلى مكة ، فهذا يسمونه القلائد ؛ وهي ما كان يوضع على الهدي ، وكان النبي يقلد هديه ﷺ ، سواءً لما أخذه معه في حجه ، أو لما قلده وهو في المدينة ولم يحج في السنة التاسعة ﷺ ، هذا تقليد الهدي ، وهذه يسمونها قرائن ، يقول شيخنا رحمه الله تعالى : هذه من القرائن التي كانت تستخدمها العرب ، أي قرينة أن هذا مهدى إلى بيت الله ، والقرائن يؤخذ بها ، كما هو في قول الله تبارك وتعالى في شاهد يوسف لما قال : ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٢٦ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧﴾[يوسف: 26-27] جعل القرينة القميص ، أو شقُّ القميص ، وكذلك قصة سليمان عليه الصلاة والسلام ؛ لما جاءته امرأتان أكل الذئب ابن إحداهما ، فكل واحدة تقول : أكل ابن فلانة ، فقال سليمان : أقطع الطفل ، أو أشقه نصفين كل واحدة تأخذ نصفه ، واحدة قالت : نعم ، والثانية قالت : لا هو ابنها ، فقال : بل ابنك أنتِ ، أخذ بالقرينة ؛ الشفقة التي كانت في قلبها على هذا الابن ، كذلك مال حيي بن أخطب ، لما هجَّر النبي ﷺ بني قريظة ؛ قال : (أين مال حيي بن أخطب؟) قالوا : استهلكته الحروب ، قال : (إنه كثير) ولم يكن الوقت طويلاً حتى تستهلكه الحروب ، ثم أمر بمسه بعذاب ؛ أحدهم حتى يخبر ، فلما ضربوه أخبر ، قال : رأيت أحداً يمر في الخربة ومعه أشياء ، فحفر فوجد الذهب ، فالقصد أنه يؤخذ بالقرائن.

﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] أي لا تمنعوا الناس الذين يأمون بيت الله الحرام ، دعوهم  لأن هذه من شعائر الله تبارك وتعالى ؛ أن الإنسان إذا قصد بيت الله لا يمنع من ذلك ، بل يترك حتى يؤدي نسكه ، قال : ﴿وَلَا آمِّينَ﴾ [المائدة: 2] أي قاصدين البيت الحرام ، قال : ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] أي يريدون بهذا ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] الفضل هو البيع والشراء ، والرضوان رضى الله تبارك وتعالى ، أي يريدون الدنيا والآخرة ، يريدون الدنيا الفضل من الله تبارك وتعالى ، ويريدون الآخرة الرضوان من الله تبارك وتعالى ، ورضا الله جل وعلا هذه من صفات الله الفعلية ، ويقال لها الصفات الفعلية ؛ لأنها تزيد وتنقص ، وتكون وتذهب ؛ لأن الله تبارك متى يرضى؟ يرضى إذا فعل العبد ما يرضيه فيرضى سبحانه وتعالى ، فالرضا ، والغضب ، والمحبة ، والإتيان ، والنزول كل هذه صفات لله تبارك وتعالى فعلية ؛ لأنها تأتي إذا جاءت أسبابها. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾[المائدة: 2] قال : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] إذا حللتم أي من إحرامكم ، والإحلال من الإحرام ؛ إما إحرام حج ، وإما إحرام عمرة. إحرام العمرة ، يحل الإنسان من العمرة إذا طاف وسعى وحلق أو قصر؛ تحلل من العمرة ، الحج يختلف ، الحج فيه  تحللان ؛ تحلل أصغر وتحلل أكبر ، التحلل يحدث بفعل أربعة أشياء : الطواف ، السعي ، الرمي ، والحلق أو التقصير ، إذا فعل الإنسان هذه الأشياء الأربعة تحلل التحلل الكامل التحلل الأكبر ؛ إذا طاف وسعى ورمى وحلق أو قصر يتحلل التحلل كامل ، وقد يتحلل التحلل الأصغر ؛ وهو إذا فعل اثنين من ثلاثة ؛ لأن السعي بعضهم لا يعده ، لأن السعي ممكن يكون بعض الحجاج قد سعى ، خاصة المفرد والقارن يستطيع أن يقدم السعي ، لذلك هم يقولون : اثنين من ثلاثة ، وهي : الطواف والحلق والرمي ؛ رمي الجمرات - على كل حال - إذاً إذا فعل الإنسان اثنين من ثلاثة تحلل التحلل الأصغر ، وإذا فعل الثلاثة كلها تحلل التحلل الأكبر ، حسنا هنا قوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] ، مإذا يريد؟ التحلل الأصغر ؛ لأن الإنسان إذا تحلل التحلل الأصغر حل له كل شيء إلا النساء ، أي فقط يمتنع عن الجماع ، إذاً كل شيء منها الصيد ، إذاً قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] أي إذا تحللتم التحلل الأصغر ؛ التحلل الأول يجوز لك أن تصيد بشرط أن يكون خارج الحرم ، لأن الحرم يبقى ممنوع الصيد فيه للمحرم وغير المحرم . 

قال : ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾[المائدة: 2] ، ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾[المائدة: 2] أي لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾[المائدة: 2] فيها قراءتان : شَنَآن وشَنْئَان - بسكون النون أو بفتحها - رضوان  كذلك ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] أيضاً فيها قراءتان : بكسر الراء أو بضمها ؛ ورِضوانا ورُضوانا ، ﴿شَنَآنُ﴾ [المائدة: 2]  كذلك هي قراءتان : شنَآن ؛ بفتح النون ، وشنْآن ؛ بسكون النون ، والشنْآن والشنَآن هي العداوة أو البغض ، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾[المائدة: 2]  أي عداوة قوم أو بغض قوم ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] ، لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام تعتدون؟ لا ، لا تعتدوا ، متى كان هذا؟ في الحديبية لما صد الكفار النبي ﷺ وكان محرماً ومعه الهدي ، منعوه من أن يدخل المسجد الحرام ، منعوه من أن يطوف ، من أن يعتمر ﷺ ، الله تبارك وتعالى يقول للمؤمنين : صحيح ، هم صدوكم عن المسجد الحرام ، لكن أنتم لا تفعلوا ذلك ، ولذلك قيل : من أعظم ما تعامل به من عصى الله فيك هو أن تطيع الله فيه ، سبحان الله ؛ لأن المسلم عبدٌ لله  سبحانه وتعالى ، يفعل ما يأمره الله به جل وعلا ، حتى لو كان لا يحب هذا العمل ، ملتزم ، وما أجمل كلمة ابن كثير رحمه الله تعالى ؛ في سنة من السنوات ؛ مما ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه ، أن الشيعة في تلك الفترة كانوا يخرجون - كما هي العادة اليوم الآن أيضاً - أي في يوم مقتل الحسين رضي الله عنه ، يخرجون ، ويضربون أنفسهم ، ويصيحون في الطرق على مقتل الحسين ، فبعض جهال أهل السنة في تلك الفترة قالوا : بما أنهم يقومون ويفعلون ذلك في مقتل الحسين ، نحن نريد أن نفعل مثل ذلك في مقتل مصعب بن الزبير ؛ حتى نغيظهم ، فصاروا يقومون يصيحون ويبكون في مقتل مصعب بن الزبير ، قال ابن كثير : ولا ترد البدعة بالبدعة ، ولا ترد البدعة إلا بالسنة ، القضية ليس قضية أهواء ، فعلوا بنا نفعل بهم ، لا لا يجوز هذا ، ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، ولذلك قال الله تبارك وتعالى : ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾[المائدة: 2] أي لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾[المائدة: 2] أي بغض قومٍ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾[المائدة: 2] وهؤلاء قد صدوكم أي منعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾[المائدة: 2] فتمنعون الناس ، هذا لا يجوز أبداً ، و ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2] فيها قراءتان : أَن صدوكم ، وإن  صدوكم ؛ أَن صدوكم على الماضي ، لأجل أنهم صدوكم تعتدون؟ لا ، لا تعتدوا ، القراءة الثانية ؛ إِن صدوكم أي مستقبلاً ، أيضاً إِن صدوكم أيضاً لا تعتدوا ، وهذا يبين عدل هذه الشريعة ، قام بالعدل ، عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أراد اليهود أن يرْشُوه ، حتى يقول : أنه وجد عندهم قليلا من الزكاة من خيبر ، لأنه لما فتح النبي خيبر ﷺ صالح اليهود على أن يقوموا بزراعتها وله النصف ﷺ ، فقالوا لعبد الله بن رواحة لما ذهب يخرص نخلهم ، قالوا : قل له : لم أجد إلا كذا ونعطيك كذا لك ، فقال : يا معشر اليهود ، والله لأنتم أبغض خلق الله إلي ، ولكن لن يمنعني هذا من أن أعدل فيكم ، أي لن أقول للرسول ﷺ وجدت أكثر ، لا سأقول الحق ، قالوا : بهذا قامت السماوات والأرض ؛ أي بالعدل ، فالإنسان دائماً مطالب بالعدل ، مع حبيبه ، مع عدوه ، مع من يعرف ، مع من لا يعرف ، العدل به قامت السماوات والأرض. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] ، أو ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] إِن ﴿صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] ، لا تعتدوا. 

ثم أكد ذلك بقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ، دائماً ليُعِن بعضكم بعضا على البر والتقوى ، والبر والتقوى ؛ إذا ذكر البر وحده تدخل تحته التقوى ، وإذا ذكرت التقوى يدخل تحتها البر ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا  وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ١٧٧﴾ [البقرة: 177]  فالبر والتقوى شيءٌ واحد إذا ذكر كل واحد على حدى ، أما إذا ذكرا معاً ؛ فقال أهل العلم : البر ما يتقرب به العبد إلى الله تبارك وتعالى من الأعمال ، والتقوى من أعمال القلوب ، فالبر أعمال البدن والتقوى أعمال القلوب ، والتقوى هو أن يجعل الإنسان بينه وبين عذاب الله وقاية ؛ أي شيئاً يقيه عذاب الله جل وعلا. قال : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] كل إثم عدوان  وكل عدوان  إثم ، والعدوان هو كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه ؛ لما جاءه رجل قال : والله إن قلت كلمة لتسمعن عشراً ، عدوان  ، كلمة بكلمة ، لماذا كلمة بعشر؟ هذا عدوان ، قال : لئن قلت كلمة - يقول لعمرو بن العاص - لتسمعن عشراً. فماذا قال له عمرو بن العاص؟ قال :ولكنك لو قلت عشراً لن تسمع ولا كلمة. أنا أعقل منك ، أنت لو قلت عشراً لن تسمع مني كلمة ، فالعدوان هو أن الإنسان يعاقب بأشد مما عوقب ، والله جل وعلا يقول : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ  وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ١٢٦﴾ [النحل: 126] فالعدوان أن يظلمك الإنسان بشبر فتظلمه بأمتار ،  هذا من العدوان ؛ أن يهدم جداراً في بيتك فتهدم بيته ، هذا عدوان ، لا يجوز ، هذا عدوان  محرم ، فالقصد أن الإنسان يبتعد عن الإثم ويبتعد عن العدوان ، قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٢﴾ [المائدة: 2] أي بعد هذا كله اجعلوا تقوى الله نصب أعينكم واتقوا الله ، ثم نبه وحذر قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٢﴾ [المائدة: 2] أي لمن لم يتَّقِه ؛ لمن لم يتق الله فإن الله شديد العقاب ، أعاذنا الله وإياكم من عقابه ، وأنى لنا رحمته ، اللهم آمين. 

والله أعلى وأعلم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأما الأسئلة فأؤجلها ، توقعت أني سآخذ نصف ساعة في الدرس ، أخذت خمسين دقيقة ، فلذلك أعتذر عن الأسئلة حتى لا أطيل عليكم ، نتوقف الآن إن شاء الله تعالى ، والأسئلة نؤجلها ، والله أعلى وأعلم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

شارك