شرح كتاب المحرر في الحديث لابن عبدالهادي - كتاب الجهاد - الدرس 1/الشيخ د. عثمان الخميس

استمع على الموقع

إقرأ

  قال الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى : كتاب الجهاد والسِّير

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : (مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ ولمْ يُحَدِّثُ نفسَه بالغَزْوِ ماتَ على شُعْبَةٍ منْ نِفَاقٍ) رواه مسلم . وذُكر عن ابن المبارك أنه قال: فنُرى أنَّ ذلك كان على عهد رسول اللهﷺ.  وعن أنس رضي الله عنه ؛ أن النبي ﷺ قال : (جاهِدُوا المشركينَ بأموالِكُمْ وأنفسِكُمْ وألسِنَتِكُمْ) رواه أحمد ، والدارمي ، وأبو داود والنسائي وإسناده على رسم مسلم.  وعن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد؟ فقال : (أَحَيٌّ والَداكَ؟) قال : نعم ، قال : (ففيهما فَجَاهِدْ). متفق عليه.  وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلاً هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال : (هلْ لكَ أحدٌ باليمنِ؟) قال : أبواي ، قال : (أَذِنا لكَ؟) قال : لا ، قال : (ارحعْ إليهما فاستأْذِنْهُما ، فإنْ أذِنا لكَ فجاهِدْ ، وإلا فَبِرَّهُما) رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن حبان ، والحاكم من رواية "دراج" ، وقد اختلفوا في توثيقه.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢﴾[الفاتحة: 1-2] ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين ، أما بعد ، فنستمر في قراءة الكتاب المحرر في الحديث لمحمد بن أحمد الجماعيلي الصالحي ؛ المعروف بابن عبد الهادي رحمه الله تبارك وتعالى ، والمتوفى في القرن الثامن الهجري سنة أربع وأربعين وسبعمئة ، وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى ، وهذا الكتاب تمت قراءة فصول منه ، ووصلنا إلى الحديث الثامن والثمانين بعد السبعمئة من هذا الكتاب المبارك ، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتمم لنا قراءة بقيته.

ووصلنا إلى كتاب الجهاد والسير ، وذكر في هذا مجموعةً من الأحاديث في باب فرض الجهاد ، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : (مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ ولمْ يُحَدِّثُ نفسَه بالغَزْوِ ماتَ على شُعْبَةٍ منْ نِفَاقٍ) ، وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، والأصل في المسلم أنه إذا دُعي إلى الجهاد أن لا يتردد ، والأصل في الجهاد أنه فرضٌ على الكفاية ؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، والجهاد وسيلة وليس غاية ، وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية وهي عبادة الله وحده سبحانه وتعالى ، فإن تحققت هذه العبادة دون الجهاد فبها ونعمة ، فإن لم تتحقق إلا بالجهاد كان الجهاد ، فالجهاد إذاً وسيلةٌ لتحقيق غاية عبادة الله تبارك وتعالى في الأرض وحده لا شريك له ، ومن ذلك قال النبي ﷺ : (مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ ولمْ يُحَدِّثُ نفسَه بالغَزْوِ) ، فالإنسان المسلم لا يجوز له أبداً أن يكون جباناً ، وأن يعلم علم اليقين أن هذه النفس بيد الله تبارك وتعالى ، وأنه ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51] ، وأن الأعمار مقدرة وأنه لا يزيد في عمر الإنسان حرصه على الحياة ، ولا ينقص من عمره حرصه على الموت أبداً ، ولذلك قيل : 

وحب الشجاع النفس أورده القتال -أو شيء-     وحب الجبان النفس أورده التقوى

أي صار تقياً لأنه يحب نفسه ، نعم 

وحب الشجاع النفس أورده الحرب           وحب الجبان النفس أورده التقى

فالإنسان إذا أحب نفسه أكرمها ، ولذا يقول خالد بن الوليد ؛ وهو من أشهر من عرف بالغزو والجهاد في سبيل الله تبارك ؛ كان يقول رضي الله عنه : ما في جسمي موضع شبر إلا فيه ضربةٌ بسيف أو طعنةٌ برمح أو رميةٌ بسهم وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء ، وقول ابن المبارك رحمه الله تبارك وتعالى : فنُرى أنه هذا في زمن النبي ﷺ ؛ أي أن الجهاد في زمن النبي ﷺ لما كان الإسلام في بدايته ؛ وهذا قول لبعض أهل العلم ؛ أنه (مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ ولمْ يُحَدِّثُ نفسَه بالغَزْوِ) ؛ هذا في زمن النبي ﷺ ، وليس في زماننا هذا ، وذهب آخرون من أهل العلم أن هذا النص عام ؛ ليس خاصاً بزمن النبي ﷺ وهذا هو الأظهر والعلم عند الله ، ولذا ينبغي للمسلم أن يحدث نفسه بهذا ؛ أنه إذا تيسر له الجهاد وجاءت أسبابه وسبله فإنه يجاهد في سبيل الله تبارك وتعالى لنصرة دين الله جل في علاه ، والأصل في الجهاد هو بذل الجهد ؛ الجهاد مأخوذ من بذل الجهد في قتال الكفار ؛ فلا يكون الجهاد ضد المسلمين أبداً ؛ الجهاد لا يكون إلا للكفار ؛ فالقتال بين المسلمين يسمى قتال فتنة إذا كان عن شبهة وقعت لهم ، وإن كان عن غير شبهة فهو قتال الفئة الظالمة أو الباغية ، لكن الجهاد لا يكون إلا مع الكفار ، فمكن يكون قتال بين المسلمين ؛ قتال فتنة ، وممكن يكون قتال بين المسلمين ؛ قتال بغاة ، لكن الجهاد لا يكون إلا ضد الكفار ولذلك عرفه أهل العلم بأنه بذل الجهد في قتال الكفار ، نعم ولذلك لما قاتل المسلمون - الصحابة رضي الله عنهم ومن معهم - لما قاتلوا الخوارج ما قالوا : جهاد ، وإنما قالوا : قتال ؛ قتال البغاة ؛ يقال لهم : بغاة ، ولذلك لا يذفف على جريحهم ولا يتبع من هرب منهم ولا يؤسرون ولا تسبى نساؤهم ، ولا يغنم منهم ؛ لماذا؟ لأنهم مسلمون ، نعم بغاة ؛ يعاقبون على بغيهم ، لكن لا يترتب عليهم أحكام الكفار.

وفي الحديث الثاني حديث أنس قول النبي ﷺ : (جاهِدُوا المشركينَ بأموالِكُمْ وأنفسِكُمْ وألسِنَتِكُمْ) ، يعني هذا أيضاً جهاد ؛ بل ابن القيم رحمه الله تبارك ذكر في أول كتابه "زاد المعاد" لما تكلم عن الجهاد ؛ ذكر أن الجهاد باللسان أحياناً يكون أعظم من الجهاد بالقتال وذلك لأن الجهاد ثلاثة أنواع : إما أن يكون جهاد ضد الكفار وهو القتال بالسيف ، وإما أن يكون الجهاد ضد المنافقين والمفسدين في الأرض من الذين يلبسون على الناس أفكارهم ؛ أهل البدع وغير ذلك فهؤلاء جهادهم باللسان ؛ يكون الجهاد بالسان بمواجهتهم ورد شبهاتهم وفضحهم وما شابه ذلك من الأمور ، والجهاد بالمال ؛ أكثر ما ذكر في القرآن الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس ؛ أي ذكر الجهاد بالمال قدم على الجهاد بالنفس في أكثر ما ذكر في كتاب الله تبارك وتعالى ؛ فالقصد أن الجهاد ليس خاصاً بالجهاد بالنفس ، بل يكون بالنفس ، والمال ، ويكون أيضاً باللسان ، وتدخل الكتابة في اللسان ؛ لو ألف كتاباً مثلاً يرد فيه على أهل الباطل وهذا ؛ فهذا أيضاً من الجهاد ، وهذا الحديث صحيح ؛ حديث (جاهِدُوا المشركينَ) أخرجه أصحاب السنن وأحمد والدارمي.

وحديث عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد؟ فقال : (أَحَيٌّ والَداكَ؟) قال : نعم ، قال : (ففيهما فَجَاهِدْ) ؛ هذا في الجهاد الكفائي ؛ لأن الجهاد نوعان : جهاد كفائي ، وجهاد عين ؛ جهاد فرض عين ؛ يقول أهل العلم : لا يكون جهاد فرض عين إلا إذا استنفره الإمام ؛ أي طلب من الناس القتال جميعاً ، أو حضر مكان القتال ، أو دخل الكفار بلاد المسلمين ؛ فهنا يكون الجهاد فرض عين ، وزاد بعض أهل العلم : إذا احتيج إليه ؛ بشخصه يعني ؛ فيكون في حقه فرض عين ، وإلا الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية ، ويكون فرض عين في مثل هذه الصور ، وإلا الأصل فيه أنه فرض كفاية ، وهذا الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يريد الجهاد معه ؛ كان في فرض الكفاية ، ولذا النبي ﷺ قال : (أَحَيٌّ والَداكَ؟) قال : نعم ، قال : (ففيهما فَجَاهِدْ) ؛ فيكون الجهاد هنا فرض كفاية ولو كان الجهاد فرض عين فإنه لا يُستأذن فيه الوالدان ، ليس "لا يستأذن" أي القصد أنه لا يشترط إذن الوالدين ؛ يُستَأذن ؛ يستأذن من والديه لكن لو قالا : لا ، لا يطيعهما ؛ لأن هنا جاء حق الله ، وحق الله مقدم على حق الوالدين ، فإذا كان الجهاد فرض عين فلا يشترط إذن الوالدين ، أما إذا كان الجهاد فرض كفاية فيشترط فيه إذن الوالدين.

وفي الحديث الثاني الذي بعده ذكره المؤلف رحمه الله تبارك وتعالى ؛ قريب منه وهو أنه جاء رجل من اليمن إلى النبي ﷺ قال : أريد أن أجاهد معك ، قال : (أأذن لك والداك؟) قال : لا ، قال : (ففيهما فجاهد) ؛ أي رده النبي ﷺ ؛ وهذا الحديث لا يثبت ؛ الحديث الثاني الذي ذكر المؤلف الذي هو رقم سبعمئة وواحد وتسعين ؛ هذا لايثبت ؛ فيه دراج ؛ ودراج فيه ضعف في حفظه ، ويروي هذا الحديث عن أبي الهيثم ، وأبو الهيثم بالذات رواية دراج عن أبي الهيثم مضطربة ، فدراج في حفظه شيء وروى عن رجل روايته دائماً عنه مضطربة ؛ فلا يصح ، والحديث الذي سبقه يكفي عنه ، الذي قال فيه النبي ﷺ : (ففيهما فجاهد) يكفي عنه ؛ وهو في الصحيحين يغني عنه والمعنى واحد والله أعلم.

وعن قيس بن أبي حازم قال : بعث رسول ﷺ سريةً إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل ، فبلغ ذلك الرسول ﷺ فأمر لهم بنصف العقل ، وقال : (أنا بريءٌ من كُلِّ مسلمً يُقيمُ بينَ ظهْرانَيِّ المشركين) قالوا : يا رسول الله ولم؟ قال : (لا تراءى ناراهما). رواه أبو داود والترمذي والطبراني ، ورواه النسائي والترمذي أيضاً مرسلاً ، وهو أصح ، قاله البخاري ، والدار قطني.

الرسول ﷺ بعث سرية إلى خثعم ؛ كانوا مشركين ، فلما وصلت السرية بعض من كان يعيش مع تلك القبيلة سجد ؛ أي يريد أن يقول لهم : أنا مسلم ، فلكن لم يلتفتوا إليه ، أي الصحابة الذين أرسلهم النبي ﷺ فقتلوا مجموعة منهم وممن قتلوا هؤلاء الذين سجدوا ، فأُخبر النبي ﷺ بذلك ، وأن هؤلاء كانوا مسلمين ؛ الذين سجدوا أرادوا أن يقولوا : نحن مسلمون ، فقتلهم الصحابة رضي الله عنهم ، فالنبي ﷺ قالوا : إنه دفع فيهم نصف الدية ؛ نصف العقل أي نصف الدية ، فدفع نصف دياتهم وليس دية كاملة ، ثم قال : أنا بريء ممن عاش بين المشركين ؛ أي لماذا تعيشون بين المشركين وأنتم مسلمون ؛ أين الهجرة؟! لذلك لا يجوز للمسلم أن يعيش بين الكفار ؛ وجاء الحديث (أنا بريء مممن عاش بين ظهراني الكفار) ولكن على كل حال هذا الحديث مرسل ؛ كما قال البخاري والدار قطني وغيرهما ، ولا يثبت عن النبي ﷺ ؛ هذه القصة لا تثبت لأن الطريق التي جاءت فيه مرسل ؛ ضعيف ؛ لا يثبت ، ولكن على كل حال لا يجوز للمسلم أن يعيش بين الكفار ؛ هذا هو الأصل إلا إذا اضطر إلى ذلك ، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ  قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾[النساء: 97] ، فالأصل في المسلم إذا تمكن من الهجرة أنه لا يعيش بين الكفار ؛ خاصةً في أول الإسلام ؛ في أول الإسلام بداية الدعوة كانت الهجرة إلى المدينة واجبة ؛ لأن المدينة بيضة الإسلام ، ويجب على كل مسلم أو كل من دخل في الإسلام أن يهاجر إلى المدينة ليتقوى المسلمون ؛ وسيأتينا حديث بريدة إن شاء الله تعالى ، لكن الشاهد من هذا أن الهجرة كانت واجبة على كل أحد للمدينة ، لكن بعد فتح مكة قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهادٌ ونية) ، ومع هذا لا ينبغي للمسلم ؛ بل لا يجوز للمسلم أن يعيش بين الكفار إلا إذا اضطر إلى ذلك ، أو كانت هي بلده الأصلي ولا يتضرر ؛ أي لا يعجز عن إظهار دينه ؛ مثل الآن مثلاً ، لو واحد من اليابان مثلاً أسلم ، لا يقال له : يجب أن تترك اليابان ، أو واحد من مثلاً كوستاريكا مثلاً أو من أمريكا أو من بريطانيا أو من فرنسا أو من غيرها من بلاد الكفر ؛ وأسلم ؛ لا يجبر على الهجرة في زماننا هذا ؛ لأنه يمكن أن يقيم دينه هناك ، لكن إن عجز أن يقيم دينه واضطر إلى استعمال التقية مع الكفار وأن يخفي دينه ؛ نقول له : لا ، يجب عليك أن تهاجر إن استطعت ، فان لم يستطع فلا شيء عليه ، لكن إذا استطاع الهجرة وجبت عليه الهجرة إذا كان لا يستطيع أن يظهر دينه ، أما إذا كان يستطيع أن يظهر دينه فإنه لا يلزمه أن يهاجر في أيامنا هذه والله أعلم.

وعن عبد الله بن عمرو ، عن النبي ﷺ قال : (القتلُ في سبيل اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلَّا الدَّيْنِ) رواه مسلم. وروى ابن أبي عاصم : (الشهادةُ تُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلَّا الدَّيْنَ ، والغَرَقُ يُكَفِّرُ ذلكَ كُلَّهُ) في رواته من يجهل حاله.

حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال : (القتلُ في سبيل اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلَّا الدَّيْنِ) ؛ هذا مختصر ، وجاء عند أحمد أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً محتسباً جاهداً مجاهداً ؛ هل يغفر لي؟ فقال النبي : (نعم) ، فرجع مرة ثانية ، وقال له النبي ﷺ : (ماذا قلت؟) قال : قلت : يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً محتسباً أيغفر لي؟ قال : (نعم) ، ثم قال له : (ماذا قلت؟) فأعادها الثالثة إلى النبيﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (إلا الدَّين ؛ سارّني بها جبريل آنفاً) ؛ أي جاءني جبريل قال : قل له : نعم ، كل شيء إلا الدَّين ، فلا يتساهل الناس في قضايا الدين ، فالإنسان إذا كان عليه ديون للناس ؛ حقوق للناس عليه ، يجب عليه أن يوفيها لهم ، أو أقل شيء أنه يُثبتها ؛ يكتبها ، يُشِدُ عليها ؛ حتى لا تضيع حقوق الناس ، فإن كان ترك مالاً ؛ أي ميراثاً يسد دينه فالحمد له ، لكن إذا لم يكن ترك شيئاً فهذا محاسب عند الله تبارك وتعالى لأنه يُضَيع حقوق الناس ، فعلى الإنسان أن يتقي الله تبارك وتعالى وأن لا يتساهل في الديون ؛ خاصة الآن بدأ الناس يتساهلون بهذا ، بل بعض الناس صار ينكر الديون التي للناس عليه بحجة أنهم لا توجد عندهم أوراق أو لا يوجد عندهم ثبوتات أو كذا ، ولا يدري هذا المسكين أن الله يعلم حقيقة الأمور ، ويعلم أنه ظالم ، ويعلم أنه كاذب وأنه باخس لحقوق الناس ، فعلى الإنسان أن يتقي الله تبارك وتعالى في معاملته للناس ، فالقصد أن الذنب نعم يغفر للإنسان كل شيء إذا جاهد في سبيل الله إلا الدَّين ؛ إلا الدَّين فإنه لا يغفر ، وأما الزيادة التي ذكرها ؛ قال : وروى ابن أبي عاصم : (الشهادةُ تُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلَّا الدَّيْنَ ، والغَرَقُ يُكَفِّرُ ذلكَ كُلَّهُ) ؛ أي الغرق لأن الغريق شهيد ، قال : وروى ابن أبي عاصم : (والغَرَقُ يُكَفِّرُ ذلكَ كُلَّهُ) ؛ هذا لا يصح ، هذا لا يثبت ضعيف ، الذي هو زيادة "الغرق يكفر كل شيء" ، لا تثبت ويبقى إذاً عندنا الجهاد في سبيل الله أعظم من الغرق ، فلذلك هذه الزيادة منكرة متناً وسنداً ؛ لا تصح سنداً ومنكرةٌ متناً.

وعن البراء قال : لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] دعا رسول الله ﷺ زيداً فجاءه بكتف فكتبها ، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته ، فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95]  متفق عليه ، واللفظ للبخاري.

نعم ، هذه من أمورٍ نادرة ، عندما نزل قول الله تبارك وتعالى : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ  فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً  وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥﴾ [النساء: 95] ، لما نزلت هذه الآية جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ ؛ وهو أعمى ، هذا من القاعدين ، هذا من أصحاب الأعذار ؛ لأنه لا يستطيع الجهاد ؛ أعمى ، فاشتكى إلى النبي ﷺ ؛ يعني كيف؟ أنا أريد أن أجاهد ، لكن لا أستطيع ؛ أعمى ، ضرير ، لا أستطيع يا رسول الله ، فنزلت كلمة في وسط الآية ، والنبي كانت إذا نزلت الآية عليه يقول : ضعوا هذه الآية بين آية كذا وآية كذا ، أو أحياناً تنزل السورة كاملة ، احياناً ينزل جزءٌ من السورة ، أي سورة الأنعام ؛ يذكر أنها نزلت كاملة ، أغلب السور القصيرة المفصل نزلت كاملة ؛ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١﴾ [العلق: 1] أول ما نزل من القرآن لكن ما نزلت كاملة ، يقولون : أول سورة نزلت كاملة هي سورة المدثر ، وجل القرآن نزل مُنجماً ؛ تنزل هذه الآية ثم هذه تنزل خمس آيات ، تنزل عشر آيات وهكذا ؛ حسب الأحداث أو غيرها ، فلما نزل قول الله تبارك وتعالى : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] جاء ابن أم مكتوم قال : يا رسول الله أنا لماذا لا أستوي معهم وأنا أحب القتال معك ، أحب الجهاد معك ، فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾[النساء: 95] ؛ فقط هذه الكلمة هذه ثلاث كلمات ، فقال النبي ﷺ ضعوها هنا ، فصارت الآية ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ [النساء: 95] هذه من نوادر القرآن الكريم ؛ أنه تنزل كلمات في آية بعد هذه الآية ، فيقول : ضعوها هنا ، فوضعت هنا بأمر النبي ﷺ.

وعن ابن عون قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال؟ قال : فكتب إليَّ : إنما كان ذلك في أول الإسلام ، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المُصطَلِق وهم غارُّون وأنعامهم تستسقي على الماء ، فقتل مقاتلهم وسبي سَبيَهم ، وأصاب يومئذً جُويرية بنت الحارث ، قال : وحدثني هذا الحديث عبد الله بين عمر ، وكان في ذلك الجيش. متفق عليه. واللفظ لمسلم.

قول نافع هنا : أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق ؛ يعني غزوة المريسيع ضد بني المصطلق ، قال : وهم غارُّون ؛ أي غير منتبهين له ، لا يشعرون به ، أي فاجأهم بالغزو ﷺ ، قال : وأنعامهم تستقي على الماء ؛ أي هدوء غير مستعدين لقتال ، غير مستعدين لقتال ، البعض شكك في هذا في أن النبي ﷺ لم ينذرهم والأصل أنه ينذر الناس إذا أراد أن يقاتلهم ؛ يدعوهم إلى الإسلام ، ثم بعد ذلك إذا أبوا يستعين على أي يطلب منهم الجزية ، فإن أبوا يستعين بالله فيقاتلهم ؛ هذا هو الأصل ، فيقول : كيف هنا النبي ﷺ يغزوهم دون إنذار ودون أن يخبرهم أنّه سيغزوهم ﷺ ، فجاء عن ابن عبّاس أنّه قال : ما غزى رسول الله قوماً إلّا بعد أن دعاهم ؛ هذا هو الأصل ، يقول : ما غزى الرسول ﷺ قوماً حتّى دعاهم ، وهذا أخرجه أحمد عن ابن عبّاس بإسنادٍ صحيح ، ولكن هنا يختلف الأمر كما ذكر أهل العلم ؛ لأن أهل العلم هنا في هذا الحديث على طريقين : الطريق الأول تبناه أهل السير كابن اسحاق والزبير بن بكار والزهري وغيرهم ممن كتب في السيرة أو تكلم في السيرة ، فقالوا إن الرسول ﷺ دعاهم ، واستعدوا لقتاله واصطفوا مع النبي ﷺ ، وبدأ القتال ثم هربوا وتركوا أنعامهم وكذا ، فيقول : لا ، كانوا مستعدين للقتال ، ولكن ألقى الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا ، حديث الصحيحين هنا ليس فيه أنهم استعدوا للقتال ولا كذا ، ظاهره أنه جاءهم وهم غارُّون ﷺ ، حسناً جماهير أهل العلم خاصة أهل الحديث يخالفون أهل السير في هذه القصة ؛ فيقولون : أبدا ، لا استعدوا للقتال ، ولا قاتلوا النبي ﷺ ، ولا هربوا ؛ وإنما فاجأهم النبي ﷺ وإنما كانت المفاجأة من النبي ﷺ لأنهم استحقوا ذلك لأمرين اثنين : أما الأمر الأول فهو أنهم كانوا قد شاركوا مع كفار قريش في أحد ؛ أرسلوا من قبلهم من يساعد كفار قريش في أحد ضد النبي ﷺ ؛ فهم بدأ منهم الغدر ؛ هذا الأمر الأول ، الأمر الثاني قالوا : إن الحارث ابن أبي ضرار الذي هو سيد بني المصطلق ؛ الحارث بن أبي ضرار هذا كان ينادي في العرب ؛ يجمعهم لقتال النبي ﷺ ، فهم كانوا مستعدين لقتال النبي ﷺ ، بل هو كان يدعو الناس ويجمعهم لكي يقاتل النبي ﷺ ، فلما رأى النبي منه ذلك فاجأهم والحرب خِدعة ، أو خَدعة أو خُدعة ؛ ثلاث ؛ يقولون مثلثة الخاء هنا ، لكن الشاهد من هذا أن النبي ﷺ إنما قاتلهم لأمرين ، الأمر الأول أنهم كانوا يستعدون لقتاله ويدعون الناس لقتال النبي ﷺ ويُجمِّع الناس وذلك كما كان يفعل كعب الأشراف ، الثاني أنهم شاركوا مع المشركين في قتال النبي ﷺ في أحد ، فلذلك جاءهم النبي ﷺ معاقباً لهم على مشاركة المشركين في قتال أحد ؛ كما فعل مع اليهود بعد غزوة الأحزاب ؛ وهذا هو الصحيح ؛ أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك لأن هم بدؤوا بالعداء ؛ هذا أمر ، الأمر الثاني : أن النبي ﷺ بعد هذه الغزوة كان من ضمن السبي التي هي جويرية بنت الحارث ؛ بنت سيدهم ؛ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ؛ سيد قومه ؛ سيد بني المصطلق ، واصطفاها النبيﷺ لنفسه وأسلمت ، وصارت أمّاً للمؤمنين ؛ التي هي جويرية بنت الحارث رضي الله عنها ؛ هي بنت سيد هؤلاء القوم ، والمشهور أنه لم يُقتل ، والله أعلم أنه دخل في الإسلام هذا الحارث بن أبي ضرار ؛ الذي هو سيد بني المصطلق.

وعن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش ، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيراً ، ثم قال : (اغْزُوا بسم اللهِ في سبيلِ اللهِ ، قاتِلُوا مَنْ كفرَ باللهِ ، اغْزُوا ولا تَغلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمَثِّلُوا ولا تَقْتُلوا وليداً ، وإذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المشركينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خصالٍ – أو خَلالً – فأَيَّتُهُنَّ ما أجابُوكَ فاقْبَلْ منهمْ وكُفَّ عنهم ، ثمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسلام. فإن أجابوكَ فاقبل منهم وكُفَّ عنهم ، ثم ادْعُهُمْ إلى التَّحَوُّلَ من دارِهِمْ إلى دارِ المهاجرينَ ، وأخبرْهُمْ أنهم إن فعلوا ذلكَ فلَهُمْ ما للمهاجرينَ وعليهم ما على المهاجرينَ ، فإنْ أبَوا أَنْ يتحَوَّلوا منها ، فأخْبِرْهُمْ أنَّهم يكونونَ كأعْرابِ المسلمينَ : يَجْري عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكونُ لهم في الغَنيمَةِ والفيء شيءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدوُا معَ المسلمين ، فإن أَبَوا فسَلْهُمُ الجِزْيَةَ ، فإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ منهم وكفَّ عنهم ، فإن أبوا فاسْتَعِنْ باللهِ وقاتِلْهُمْ وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادُوكَ أن تجعلَ لهم ذمَّةَ اللهِ وذمَّةَ نبيِّهِ فلا تجعلْ لهم ذِمَّةَ اللهِ ولا ذِمَّةَ نَبيِّه ، ولكنْ اجعلْ لهم ذمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابِكَ ، فإنَّكم إنْ تَخْفِوا ذِمَمَكُمْ وذِمَمَ أصحابِكُمْ أهوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ رسولِهِ. وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ على حُكْمِ اللهِ ، فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ اللهِ فيهم ، ولكن أنزِلْهُمْ على حُكْمِكَ ، فإنَّكَ لا تدري أتُصيب حكمَ الله فيهم أمْ لا) قال عبد الرحمن – هو ابن مهدي- هذا أو نحوه.  رواه مسلم

هذا الحديث حديث عظيم ؛ حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي ﷺ يقول : كان إذا أمَّر أميراً ؛ أي إذا أرسل سريَّة وعليها أمير ، وهكذا سنته أنه إذا أرسل سرية يؤمِّر عليهم أميراً ؛ يوصيه في خاصة نفسه ومن معه ؛ في خاصة نفسه أن يتقي الله في نفسه ، ويوصيه بمن معه ، قال : ثم قال : (اغْزُوا بسم اللهِ في سبيلِ اللهِ ، قاتِلُوا مَنْ كفرَ باللهِ ، اغْزُوا ولا تَغلُّوا) ؛ الغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل تقسيمها ؛ السرقة يعني ؛ السرقة من الغنيمة ؛ هذا هو الغُلول ، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾[آل عمران: 161] وفي قراءة ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ﴾ [آل عمران: 161] ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161] فالغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل تقسيمها ؛ السرقة من الغنيمة. قال : (ولا تَغلُّوا ولا تَغْدِرُوا) ؛ المسلم لا يغدر أبداً ، ولما سأل هرقل أبي سفيان : هل كان يغدر؟ قال : لا ؛ يسأل عن النبي ﷺ : هل كان يغدر؟ قال : لا ، ونحن معه اليوم في مدة ولا ندري ما هو صانع بها ؛ يقول : هذه الوحيدة التي استطعت أن أنغز فيها النبي ﷺ ، فالغدر محرم مع المسلم ومع الكافر ؛ الغدر لا يجوز ، قال: (ولا تَغلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمَثِّلُوا) والتمثيل هو قطع الأطراف ؛ قطع العين ، قطع اليد ؛ سمل العين ، قطع اليد ، قطع الأذن ، قطع الأنف ؛ هذا التمثيل ؛ هذا لا يجوز ؛ محرم أيضاً ؛ إلا في حالة واحدة ، وهي إذا مثَّل الكفار في المسلمين جاز للمسلمين أن يمثلوا بهم من باب ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] كما فعل النبي ﷺ مع العرنيين ، وهذا سيأتينا إن شاء الله تعالى في الحدود ؛ فالعرنيون لما جاءوا وأخذوا إبل الصدقة وأخذوا الراعي فسملوا عينيه وقطعوا يديه ورجليه ، وأمسك بهم النبي ﷺ ؛ أمر بهم أن يفعل بهم كما فعلوا بالراعي ، فسمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم ﷺ ، فهذا التمثيل هنا جائز إذا كان ردًّا ، أما ابتداءً فلا يجوز ، قال : (ولا تَمَثِّلُوا ولا تَقْتُلوا وليداً) ؛ الوليد كما سيأتينا الله إن شاء الله تعالى ؛ النهي عن قتل الوليد ، والنهي عن قتل المرأة والنهي عن قتل الراهب ، والنهي عن قتل العبيد ؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال ، ولا الزَّمِن الذي هو المريض ، فالمهم لا يقتل إلا من كان من أهل القتال ، فالمرأة ليست من أهل القتال ؛ فلا تقتل إلا إذا شاركت في القتال ؛ فهنا تقتل إن كان لها رأي أو كانت قائدة أو كانت تشارك في القتال ؛ كما هو الحال الآن في بعض النساء مثلاً يشاركن في القتال ؛ هذه تقتل ، لكن الأصل في المرأة لا تشارك في القتال ، والراهب لا يشارك في القتال ، والكبير في السن لا يشارك في القتال ؛الشيبة ، والأطفال لا يشاركون في القتال ، والعبيد لا يشاركون في القتال ؛ فكل من لم يكن من أهل القتال لا يقتل ، وإنما يقتل أهل القتال.

قال : (وإذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المشركينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خصالٍ – أو خَلالً –) ، ولذلك قلنا قبل قليل إن الأصل في الجهاد أنه وسيلة وليس غاية ، فالنبي ﷺ يأمر بريدة ابن الحصين رضي الله عنه ، يقول : (إذا حاصرت أهل حصن فادعهم إلى ثلاث خصال) : أول خصلة الدخول في الإسلام ، هذا هو الأصل نحن جئناكم ندعوكم إلى دين الله تبارك وتعالى ، (فإن هم أطاعوك) ؛ أي شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (فأمرهم بالهجرة) ، لأنا قلنا أن الهجرة في بداية الأمر كانت واجبة إلى المدينة ، لأن المدينة بيضة الإسلام وكان يجب على كل من يدخل في الإسلام أن يهاجر إلى المدينة ليتقوى المسلمون هناك ، قال فأمرهم بالهجرة ، (فإن أطاعوك) ؛ أي هاجروا (لهم ما على المسلمين وعليهم ما عليهم) خلاص كملت ، صار واحد من المسلمين تام مئة بالمئة ، (إن أبوا الهجرة) ؛ قال : نعم أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكن لا أريد أن أهاجر ، لا أريد أن أترك بلدي ، أريد أن أبقى في بلدي ، قال : (فهؤلاء كأعراب المسلمين) يعاملون معاملة البادية ، (ليس لهم في الفيء حق) ، لا يأتي غداً ويقول : حسناً والغنيمة ما أخذت منها شيء ، الأنفال ما أخذت منها شيء ؛ ليس لهم شيء في الفيء ، ما له حق ، لأنه أبى الهجرة ، والهجرة لأهل لمدينة ؛ للمقاتلين الذين ينصرون دين الله تبارك وتعالى أمّا يريد السّلامة ويريد الغنيمة ما يصير ؛ تريد الغنيمة ابذل جهداً (فإذا ابوا الهجرة فهم من أعراب المسلمين ، ليس لهم في الفيء حق) ؛ هذا إذا دخلوا في الإسلام وأبوا الهجرة ، فإن أبوا الإسلام أصلاً ؛ قالوا : لا ، لا نريد أن نسلم ؛ (فأمرهم بالجزية) ؛ والجزية هي مبلغ معين مقدر مقابل حمايتهم وأنهم يبقون على دينهم ؛ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] أبداً لا يكره أحد على الدخول في الإسلام ، ولكن تريد أن تبقى في أرض الله ؛ تبقى في أرض الإسلام عليك ان تدفع الجزية مقابل بقائك وحمايتك أيضاً ، ولك حقوق ، وعليك واجبات ، لكن الشاهد من هذا أنه يؤمر بالجزية ، فإن وافقوا على الجزية (كف عنهم) خلاص انتهى الأمر ، إذاً أول شيء إذا دخلوا في الإسلام (كف عنهم) ، ودعاهم إلى الهجرة ، فإن هاجروا صاروا كحال باقي المسلمين ، إن أبوا الهجرة كأعراب المسلمين ، حسناً أبوا الإسلام الجزية ، فإن قبلوا الجزية كف عنهم وارجع عنهم ؛ إذاً القتال ليس مقصوداً لذاته ، لكن أبوا الإسلام وأبوا الجزية ، قال : (فاستعن بالله وقاتلهم) ، انتهى ؛ هؤلاء معاندون ومكابرون ، فهنا يقاتلون ، هنا يقاتلون إذا أبوا الإسلام وأبوا الجزية.

ثم بعد ذلك قال له النبي ﷺ : (وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادُوكَ أن تجعلَ لهم ذمَّةَ اللهِ وذمَّةَ نبيِّهِ فلا تجعلْ لهم ذِمَّةَ اللهِ ولا ذِمَّةَ نَبيِّه) ؛ أي أعطنا ذمة الله وذمة رسوله ، لا تعطهم ذمة الله ولا ذمة الرسول ، لماذا؟ لأن هذا الإنسان إذا أعطاهم ذمة الله وذمة الرسول ثم غلبته نفسه ، غلبه الشيطان وخفر هذه الذمة يقول : خُفِرت ذمة الله ، خُفِرت ذمة الرسول ، يقول : لا ، أعطهم ذمتك أنت ، حتى إذا خفرت هذه الذمة ؛ أي لم تؤدي حقها ، يقولون : فلان خفر ذمته وليست ذمة الله ولا ذمة رسوله ؛ يقول : أعطهم ؛ (اجعلْ لهم ذمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابِكَ) ؛ ولا تعطهم ذمة الله وذمة رسوله ؛ هذا الأول ، الثاني : (إذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ على حُكْمِ اللهِ ، فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ اللهِ فيهم) ؛ إذا حاصرت أهل حصن وأرادوك على حكم الله فلا تقل : هذا حكم الله ، قل : هذا حكمي ؛ لأن هذا اجتهاد منك قد تصيب وقد تخطئ ، وحكم الله لا يخطئ وحكم الرسول لا يخطئ ؛ فتقول هذا حكم الله ويظهر أنه ليس حكم الله ؛ أخطأته ، فكأنك أضللت الناس لما قلت : هذا حكم الله وليس حكم الله ، ولذلك يقول : بل أعطهم حكمك وحكم أصحابك ؛ (لأنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا).

وعن كعب بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ : أنه إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها.  وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : (الحرْبُ خدْعَةٌ) متفق عليهما.

حديث كعب بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها ؛ التورية هي أن يًظهِر للشخص خلاف ما يريد ، فيفهم منه خلاف مراده ، هذه تسمى التورية ، ومن التورية التي كان يستخدمها النبي ﷺ أنه إذا أراد مثلاً غزو الشام يقول : من يعرف طريق اليمن؟ كم قبيلة نمر عليها حتى نصل إلى اليمن؟ ما هي الآبار التي نمر عليها حتى نصل إلى اليمن؟ كم نحتاج من الأيام حتى نصل إلى اليمن؟ فيفهم الجالس أن النبي يريد اليمن وهو يريد الشام ؛ هذه هي التورية ؛ أن يُفهِم الذي أمامه خلاف ما يريد ، ويذكر البعض "أن التورية ممدوحة عن الكذب" ، لكن هذا الحديث ضعيف لا يثبت ، "أن التورية ممدوحة عن الكذب" هذا لا يثبت عن النبي ﷺ ؛ ضعيف بل ضعيف جداً ، فالإنسان لا يستخدم التورية إلا إذا احتاج إليها ، ولكن إذا أمرك أن تحلف تسقط التورية هنا ، لا يوجد تورية مع الحلف ، الحلف على ما صدَّقك ، وليس على ما تريد أنت ، فمثلاً لو قال لك رجل : تريد ان تحضر الدرس مثلاً ، تقول له : أنا أريد أن أذهب إلى السوق ، وأنت صادق ؛ تريد أن تذهب السوق لكن بعد السوق تريد أن تذهب إلى الدرس ، أو بعد الدرس تذهب إلى السوق ، لكن فهم أنك لن تحضر الدرس ؛ أنت لم تقل : لن أحضر الدرس ، أنت قلت ماذا؟ سأذهب إلى السوق ، ولم تقل : لن أحضر الدرس ، لكن هو فهم ماذا؟ أنك لن تحضر ؛ لأنه ما سأل عن السوق ، سأل عن الدرس ، هو سألك عن الدرس ، قال : هل تريد أن تحضر الدرس؟ قلت : أريد أن أذهب إلى السوق ، أنا سأذهب إلى السوق ، فيفهم أنك لن تحضر الدرس ؛ هذه ثورية ، لكن لو قال لك : احلف ، فلو حلفت قلت : والله العظيم سأذهب إلى السوق ؛ تكتب عليك كذبة ، وحلف يمين غموس ، لماذا؟ لأن الحلف على ما فَهِم هو لا على ما تريد أنت ؛ الحلف على ما صدَّقَك لا على ما قلت أنت ؛ فهنا لا يجوز الحلف في التورية ، فإذا قلت له : سأذهب إلى السوق ، فقال لك : احلف ، قل : والله العظيم سأذهب إلى الدرس ثم سأذهب إلى السوق ؛ اصدق هنا ؛ لا يجوز لك أن تورِّي هنا ؛ إذا طلب منك أن تحلف فلا يجوز لك أن توري ، بل يجب عليك أن تقول الحق. وفي الحديث الثاني أن النبي ﷺ قال : (الحرْبُ خُدْعَةٌ) ، أو (خَدعة) أو (خِدعة) ؛ تصح ، يقال : خُدعة و خَدعة و خِدعة , والأشهر خَدعة – بفتح الخاء – ويجوز خِدعة ويجوز خُدعة ، نحن أكثر شيء نستخدم ماذا؟ خِدعة –بكسر الخاء – لكن تصح خِدعة و خَدعة و خُدعة ؛ كلها صحيحة ، ولكن الأشهر عند العرب خَدعة - بفتح الخاء - وجاء في حديث أم كلثوم : "لم أسمع النبي ﷺ يأذن بشيءٍ من الكذب إلا في ثلاث : في الإصلاح بين الناس ، وفي الحرب ؛ فإن الحرب خدعة ، والرجل مع امرأته والمرأة مع زوجها" فالقصد أن الحرب يجوز فيها الكذب ؛ لأنها خَدعة الأصل فيها ، فيجوز الكذب في الحرب ، حسناً إذا جاز الكذب بالحرب ، يجوز الحلف عليه؟ يجوز الحلف عليه ، يجوز ؛ إذا جاز الكذب جاز الحلف عليه ، ويجوز الكذب في ثلاث حالات ؛ في الحديث : الرجل مع امرأته والمرأة مع زوجها ، وفي الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس ، وإذا جاز الكذب جاز الحلف عليه ، والعلم عند الله في علاه.

قوله عفواً في الحديث السابق : قال عبد الرحمن - هو ابن مهدي هذا أو نحوه - لأن ابن مهدي يرويه عن سفيان وخالفه غيره ؛ فزاد ونقص في الكلام ، فهو يريد أن يقول هذه رواية ابن مهدي ، إيه نعم ، الذي هو عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان علقمة عن سليمان بن بريدة عن بريدة.

وعن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان في بعض أيامه  التي لقي فيها العدو ينتظر إذا مالت الشمس قام فيهم ، فقال : (يا أيُّها الناسُ لا تتَمَنَّوْا لقاءَ العدُوِّ واسألوا الله العافيةَ ، وإذا لَقَيْتُمُوهُمْ فاصبِرُوا واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ) ، ثم قام النبي ﷺ فقال : (اللهمَّ مُنَزَّلَ الكتابِ ومُجْرِيَ السَّحَابِ وهازمَ الأحزابِ ، اهزِمْهُمْ وانْصُرْنَا عليهمْ) متفق عليه ، واللفظ لمسلم.

(لا تتَمَنَّوْا لقاءَ العدُوِّ) ؛ الإنسان لا يتمنى الفتنة ؛ لأن لقاء العدو فتنة ، الإنسان عندما يرى السيف ، أو الآن الطائرات وغيرها ؛ المهم يرى الموت قد تتغير أحواله ؛ قد يجبن ،  أحياناً قد يكون شجاعاً قبل أن يحضر القتال ، لكن إذا حضر القتال ورأى الموت بعينه قد تتغير الأمور ، كذلك بعض السلف كان يقول : إني لا أخشى القتل ولكني أخشى الأسر ؛ لأن الأسر أيضاً الإنسان قد يتعرض فيه للفتن والعذاب والإيذاء ، أي مثلاً يقطعون بعض أجزائه ، يعتدون على زوجته ، مثلاً يخلعون أظفاره ، مثلاً يفتنونه بالمال ، المهم أن الأسر قد يضعف الإنسان عن الصبر فيه ، فلذلك الإنسان لا يتمنى لقاء العدو ، لكن إذا لقي العدو يصبر ، ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾[الأنفال: 45] ، فاصبروا ، لكن لا يتمناه ؛ لأنه لا يدري ما هو صانع ؛ هل يصبر أو لا يصبر؟ والله المستعان. 

وعن قيس بن عُباد قال : كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند القتال. وعن أبي بردة ، عن أبيه ، عن النبي ﷺ بمثل ذلك ، رواهما أبو داوود والحاكم ، وقال : "على شرطهما".

  الأول الذي هو الموقوف على قيس بن عباد عن الصحابة ؛ يقول : كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصوت عند القتال ؛ الذي هو الصراخ عند القتال وكذا ؛ يكرهونه ، لأنه يقول : دليل على الخوف والفشل ؛ واحد يصرخ وكذا دليل أنه خائف ، بينما الإنسان إذا كان رابط الجأش وهذا ؛ لا يصرخ ، لأنه واثق من نفسه وكذا ؛ لا يصرخ ، فالصراخ هذا بالعكس يرسل رسالة للعدو أن هؤلاء خائفين ولذلك يصرخون ، فكانوا يكرهون رفع الصوت ؛ أي رفع الصوت بالصراخ ، وإنما كانوا إذا لقوا العدو يُكثرون من ذكر الله ، ولذلك قالوا : إذا كان رفع الصوت بذكر الله كالتكبير أو غيره فلا بأس ، أما إذا كان رفع الصوت يصرخ بالعدو مثلاً ؛ أين أنت؟ ابرز لي ، وأين أنتم؟ هذا كله كلام كانوا يكرهونه ، وإنما كانوا يحبون ذكر الله عند لقاء العدو ، أما ما رواه أبو بردة عن أبيه عن النبي ؛ لا يثبت ؛ أي لا يثبت مرفوعاً عن النبي ﷺ ؛ فيه مطر الوراق ومطر ضعيف ، فيه مطر وإن كان مطر روى له مسلم متابعات لكنه ضعيف ، على كل حال مرفوعاً لا يصح ، ولكنه موقوفاً عن الصحابة ؛ يصح كما قال قيس ابن عباد رضي الله عنهم. 

وعن معقلِ بن يَسار ، أن عمر استعمل النُّعمان بن مُقَرِّن [فذكر الحديث] قال – يعني النُّعمان - : شهدْت رسول الله ﷺ فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. رواه أحمد ، وأبو داود. وعنده عن معقل بن يسار : أن النعمان بن مقرِّن قال : شهدت فذكره. رواه النسائي ، والترمذي وصححه ، والحاكم وقال : "على شرط مسلم".

نعم الحديث صحيح ؛ وعنده عن معقلٍ أي عند أبي داود عن معقل والحديث صحيح ، أن النبي ﷺ كان يؤخر القتال حتى تزول الشمس ، أي بعد الظهر ، بعد الظهر يقاتل ﷺ.

وعن الصعب بن جثَّامة قال : سئل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبَيِّتون ، فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال : (هُمْ منهم) متفق عليه. زاد ابن حبان : (ثم نهى عن قتلهم يوم حنين).

الحديث في الصحيحين سئل عن أهل الدار من المشركين ؛ أي بلد هي بلد مشركين أصلاً ، وطبيعي جداً هي أسر ؛ فيها الرجال والنساء والأطفال ، يوبَيَّتون ؛ أي يهجمون عليهم ليلاً أو مع طلوع الفجر ، أي يفاجئون بهجوم المسلمين عليهم ، فيصيبون من نسائهم وذراريهم ؛ أي قد يقتل ، لأن قتال الليل لا يتحاشى طفلاً أو امرأة أو كذا ؛ قد يقتل طفلاً ، قد تُقتل امرأة ؛ فما حكم هذا؟ قال : (هُمْ منهم) ،ولذا جاء أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف ؛ وهو وإن كان مرسلاً لكنه مشهور في كتب السير ، وأهل الطائف ؛ المنجنيق إذا رمي معروف أنه قد يصيب الرجال وقد يصيب النساء وقد يصيب الأطفال ، وذكر أهل العلم إذا تترس الكفار بالنساء والأطفال جاز قتالهم ولو ماتت النساء ، ولو مات الأطفال ، لكن لا يتعمد قتل الأطفال ، وقتل النساء ؛ لا يتعمد هذا لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال ، ومر بنا الحديث (ولا تقتلوا وليداً) ، وفي رواية أيضاً عن النبي ﷺ لما رأى امرأةً قتلت قال : (ما كان لهذه أن تقاتِل) ، وفي رواية (ما كان لهذه أن تقاتَل) ؛ أي لماذا تقتل المرأة؟! ونهى عن قتل الرهبان ونهى عن قتل العبيد ، ونهى عن قتل النساء ؛ فهؤلاء الأصل أنهم ليسوا من أهل القتال ، لكن إذا كان لا يمكن الوصول إلى الكفار إلا من هذا ؛ فهنا يباح ذلك ، وأما قوله : زاد ابن حبان : (ثم نهى عن قتلهم يوم حنين) ؛ هذه لا تصح ، هذه مدرجة ، والظاهر والله أعلم من كلام الزهري ، ولا تصح هذه الزيادة فيبقى على الأصل ؛ أنه يباح ذلك إذا احتيج إليه.

وعن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت : خرج رسول الله ﷺ قبل بدر ، فلما كان بحرَّة الوبرة أدركه رجل قد كان يُذكر منه جرأةٌ ونجدةٌ  ، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه ، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معكَ ، قال له رسول الله ﷺ : (تؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) قال : لا! قال : (فارْجِعْ فلنْ أسْتَعينَ بمشرِكٍ) ، قالتْ : ثم مضى حتى إذا كان بالشِّجرةِ أدْرَكَه الرجل فقال له كما قال أول مرة ، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة – قال : لا – قال : (فارْجِعْ فلنْ أسْتَعينَ بمشرِكٍ) ، قالت : ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة : (تُؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) قال : نعم. فقال له رسول الله ﷺ : (فانْطَلٍقْ) رواه مسلم.

الرسول ﷺ خرج في بعض مغازيه مع أصحابه ، فخرج معه رجل ؛ وكان هذا الرجل معروف بالشجاعة ، عده جرأة ونجدة ؛ أي فيه شجاعة في القتال وكذا ، حتى إن الصحابة لما رأوه فرحوا به ، فجاء إلى النبي ﷺ فقال : أقاتل معك ؛ النبي يعرف أنه ليس مسلماً ، فقال له النبي ﷺ : (تُؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) أي دخلت في الإسلام أنت؟ قال : لا ، فقط بقاتل ؛ يحب القتال ، وأُصيب ؛ أحصل من المغنم وكذا ؛ أي أساعدكم وتساعدوني ، أصيب معكم من المغنم وتنتفعون بي في القتال ؛ لأنه شجاع وجريء وقوي في القتال ، فأدرك النبي ﷺ في مكان يقال له حرة الوبرة ، فقال له النبي ﷺ : (تُؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) قال : لا ، قال : (ارْجِعْ فإنا لا نسْتَعينَ بمشرِكٍ) ، وانطلق النبي ﷺ ، حتى وصل النبي ﷺ إلى مكان يُقال له الشجرة ؛ منطقة اسمها الشجرة ، وهذا لحق بالنبي ﷺ ، فقال : يا رسول الله دعني أقاتل معك ، قال : (تُؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) ، قال : لا ، قال : (ارْجِعْ فإنا لا نسْتَعينَ بمشرِكٍ) وانطلق النبي ﷺ ، فلحق النبي ﷺ حتى بلغ مكان اسمه البيداء ، فقال : يا رسول الله دعني أصيب معك ، وأقاتل معك ؛ أنا فيني قوة ، وفيني شجاعة ؛ تستفيد مني ؛ يعرض نفسه على النبي ﷺ ، فقال له الرسول ﷺ : (تُؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟) ، قال : أؤمن ؛ قال : نعم أؤمن بالله ورسوله ، قال : (فانْطَلٍقْ) إذاً ، والناس فيما يعشقون مذاهب ، بعض الناس يقول : أريد أن أهرب من القتال ، هذا يبحث عن القتال ، لكن بمقابل ؛ كونه يحب القتال أيضاً يحب المغنم ؛ يريد أن يُحصِّل من المغنم شيئاً ، فالشاهد من هذا قول النبي ﷺ : (ارْجِعْ فإنا لا نسْتَعينَ بمشرِكٍ) ، وهنا في قول النبي ﷺ : (فإنا لا نسْتَعينَ بمشرِكٍ) قال أهل العلم : عند عدم الحاجة له ، أما إذا احتجنا إليه فلا مانع ؛ كما استعان النبي ﷺ بعبد الله بن فهيرة ، لما أبي عامر بن فهيرة ؛ أو عبد الله بن أريقط لما هاجر النبي ﷺ ؛ عبد الله بن أريقط كافر ، ومع هذا كان دليلاً خريثاً ؛ أي يعرف الطريق ، فاستعان به النبي ﷺ في الهجرة ، وكذلك في حنين ؛ لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى حنين أخذ أذراعاً من صفوان بن أمية ؛ وصفوان مشرك في ذلك الوقت ، لم يسلم ، فاستعان النبي بأخذ أذراعٍ منه ، فقال : أغصباً يا محمد؟ قال : (لا ، بل عارِيَّة) ، وفي رواية (عارِيَّة مردودة) فاستعان به ، فقالوا : الاستعانة بالمشرك إذا كان عند الحاجة فجائزة ، وأما عند عدم الحاجة فلا تجوز ؛ الأصل عدم الاستعانة بالمشركين

وعن ابع عمر رضي الله عنههما أن امرأة وُجِدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان. متفق عليه. وعن الحسن ، عن سَمُرَة قال : قال رسول الله ﷺ : (اقْتُلوا شُيوخَ المُشركينَ وَاسْتَبْقُوا شِرْخَهُمْ) رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وصححه. والشَّرْخُ : الشباب.

نعم ، حديث ابن عم عمر واضح ؛ أن النبي ﷺ وجد امرأةً مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان ؛ كما قلنا : لأنهم ليسوا من أهل القتال ، لكن إذا شاركوا في القتال جاز قتلهم ، أما إذا لم يشاركوا فالأصل أن هؤلاء لا يُقتلون ؛ لا النساء ولا الصبيان ولا الشيوخ ولا الرهبان ولا العبيد ولا المرضى ؛ كل هؤلاء ، كل من لم يكن من أهل القتال فإنه لا يُقتل في المعركة ، قال : وعن الحسن ، عن سَمُرَة قال : قال رسول الله ﷺ : (اقْتُلوا شُيوخَ المُشركينَ وَاسْتَبْقُوا شِرْخَهُمْ) ، طبعاً الشيوخ هنا ليسوا الشيبان ؛ الشيبان يقال لهم : الهرم ، الشيوخ يعني الكبار ، والشرخ هم الشباب ، فالشباب لا يُقتلون ؛ صغار ، وأما الشيوخ الكبار الذين فيهم القوة والنشاط وكذا فهؤلاء يُقتلون ، ويُقال : إن الشيخ من الأربعين للخمسين ، وبعضهم يقول : من الثلاثين إلى الخمسين ؛ هذا يقال له : شيخ ، وإذا تعدى الخمسين قال له : هرم ؛ فعلى كل حال الشيوخ هم أهل القوة المقصود بهم ، فهنا النبي أذن بقتل الشيوخ ومنع عن قتل الشباب ؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال.

 

حسناً نقف هنا ؛ لأن الحديث طويل ويحتاج شرح ، إذا في أسئلة الآن فترة ما بين الأذان والإقامة أو نكمل ، في أسئلة مكتوبة أو ملفوظة؟ 

ضابط الحاجة في الاستعاة بالمشركين يُقدرها ولي الأمر ؛ القائد ، قائد المسلمين أو ولي أمر المسلمين هو الذي يقدر هذه الحاجة ؛ هل هناك حاجة للاستعانة بالمشرك أو ليست هناك حاجة ؛ هو يُقدرها ، وكل معركة لها ظروفها الخاصة بها.

 

إي لك ذلك المهم لا تحلف إذا استخدمت التورية ؛ إي نعم لا تحلف ؛ المهم لا تحلف ؛ إذا استخدمت التورية وقال لك :احلف ؛ لا تحلف ، كن حذرا ، اللذين يستخدمون التورية كثير يكونون حذرين ؛ إذا قال لك : احلف ؛ لا تحلف طالما أنك استخدمت التورية. 

 

استخدم التورية فطُلِب منه أن يحلف ، فحلف؟ هذه يمين غموس.

حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ، والكذَّاب عقابه عند ربه تبارك وتعالى ، القاضي عليه ما يسمع ، حلفت غنتهى إذاً في ذمتها ، مثل التي اتهمت بالزنا في زمن النبي ﷺ فحلفت كذباً ، شهدت أربع شهادات كذباً وزوراً ، وقالت : ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٩﴾ [النور: 9] وهو كان صادقاً ، فالنبي ﷺ يقول : لولا ما بيني وبينها من كتاب الله لكان بيني وبينها شأنٌ ؛ فهي هنا انتهى على ما حلفت ، وتتحمل إثم الحلف ، الله المستعان.

 

إي نعم الإنسان ما يتمنى لقاء العدو ، وإنما يتمنى أن يجاهد في سبيل الله ، لكن لا يحرص على أي يقول : أريد أن أقاتل العدو ، وأصبر وكذا ؛ قد لا يصبر ، لكن نحدِّث لو دعيت إلى الغزو إنِّي أوافق ؛ خاصة إذا كان فرض عين ، خاصة إذا كان فرض عين فيقول : إذا دعيت له أجيب ؛ لأنه في حاجة له هنا ، لكن تمني لقاء العدو هنا قد الإنسان لا يصبر ولا يتحمّل هذا الأمر ، فهو لا يتمنى لقاءه لكن إذا دعي إليه انتهى ؛ يكون مثل أمر واجب عليه ؛ يكون أمراً واجباً وليس من باب التمني ، ولكن يكون ضربة لازم ، إي نعم ، والله المستعان.

 

حاولت ابحث عن اسمه ما وجدت أحد ذكره باسمه ؛ حاولت

 

يعني الأصل أن يعني مثلاً الآن جميع من يعيش في هذه البلاد ولي أمرهم حاكم هذه البلاد ؛ سواءً كان عنده جنسية أو ليس عنده جنسية ، كذلك لو ذهبنا إلى السعودية مثلاً ولي أمرهم هناك هو ولي أمرنا ، ذهبنا إلى قطر ولي أمرهم ولي أمرنا ، ذهبنا إلى الجزائر ولي أمرهم ولي أمرنا وهكذا ، فالإنسان حيث يعيش فولي أمره حاكم هذه البلاد ؛ ما يختلف ؛ الجنسية ليس لها قيمة في الشرع. 

حتى لو كان مسافراً ؛ يعني الأصل إنه في هذه البلاد طالما بلاد إسلامية فحاكم هذه البلاد هو ولي أمره.

 

"فنُرى" يعني البعض من أهل العلم - شيوخه - كانوا يرون أن هذا خاص في زمن النبي ﷺ ، وليس عاماً في كل زمن ، هذا كلام المبارك ، ومبارك كان من المجاهدين الكبار ، هو الذي قال للفضيل بن عياض قال : 

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا        لعلمت أنك بالعبادة تلعب

من كان خضب خده بدموعه       فنحورنا بدمـائـنا تتخضب

عبد الله بن مبارك على أنه يقول : نُرى أن هذا كان في زمن النبي ﷺ كان من كبار المجاهدين رحمه الله تبارك وتعالى ، إمام من أئمة المسلمين ، عبد الله بن مبارك لما دخل بغداد خرج أهل بغداد لاستقباله وكانت زبيدة زوجة هارون الرشيد على الشرفة فلما نظرت جموع الناس قالت : ما هذا؟ قالوا : يستقبلون عبد الله بن مبارك ، قالت : هذا والله الملك ، وليس الملك هارون ؛ لمكانته رحمه الله تبارك وتعالى ، وانصحكم كثيراً بقراءة سيرة هذا الرجل ؛ عبد الله بن مبارك المروزي الإمام رحمه الله تعالى ، أنصح بقراءة سيرته ؛ سيرة عجيبة ، تعطيك قوة وهمة وشجاعة وتقوى ؛ جميلة سيرة عبد الله بن المبارك رحمه الله تبارك وتعالى.

 

احتيج إليه  خاصة بشخصه ، نعم أنا أذكر هذا ؛ اذكر هي الشروط الثلاثة التي ينقلها أهل العلم أو يذكرها أهل العلم في كتبهم ؛ هي : أنه إذا حضر الصف ؛حضر القتال ، أو إذا استنفره الإمام ، أو إذا دخل الكفار بلا المسلمين ، وكان شيخنا شيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يقول : وإذا احتيج إليه بشخصه ؛ كأن يكون مثلاً هو يجيد مثلاً وضع الخطط أو المتفجرات أو قيادة الطائرات أو غير ذلك ؛ أي يكون هو متخصص في شيء يُحتاج إليه لا يوجد أحد غيره يسد هذا المكان ، نعم ؛ كان يقول : أنه إذا احتيج إليه بشخصه فإنه يكون فرض عين في حقه.

 

هو من شيوخ الإمام أحمد تقريباً ؛ طبقة شيوخ الإمام أحمد تقريبا ؛ أي عهد الإمام مالك تقريبا ، مع مالك بن أنس ، مع الأوزاعي ، الشافعي أدركه ؛ أي هذا العهد يعني ؛ القرن الثاني الهجري 

 

نعم ، ينبه عليهم ؛ أي ابن عبد الهادي في هذا الكتاب يذكر الأحاديث الصحيحة ويذكر بعض الأحاديث الضعيفة لينبه عليها ، ولذلك أحياناً هو يضعفها ، يقول : وهي ضعيفة ، أو أحياناً يكون ضعفها ليس شديداً فيذكرها من باب الاستئناس بها أو أنها تكون حسنة بمجموع الطرق أو كذا.

 

مرة ثانية؟ الكذب ، تجدها أيضاً تحلف عليك وهي آخذة راحتها ، نعم احلف ، ما جاز فيه الكذب جاز فيه الحلف ؛ لا يوجد مشكلة ، احلف خذ راحتك.

 

قضية الهجرة ؛ الآن إذا أصبحت العكس ؛ المسلم في بلاد المسلمين يهاجر إلى بلاد الكفار؟

والله أنا هذه عندي عليها علامة استفهام كبيرة ، أي لا ينبغي أن نسميها هجرة ؛ سفر ، مغادرة ؛ الهجرة اسم شرعي ، لا يُعطى لمن خرج من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفر ، فلا نقول : هاجر ؛ غادر ، سافر ، سكن ؛ فلا نقول : هاجر ، وهذا فعلاً الأمر الآن هذا واقع للأسف يعني ، كثير من المسلمين يذهب يعيش مع الكفار ؛ طبعاً هذا فيه تفصيل ، إذا كان لا يأمن على نفسه في بلاد الإسلام مثلاً ولا يستطيع أن يعيش من هذا الباب يجوز له ذلك ، أما إذا كانوا والله يقول له : هناك حرية ، أو هناك معاشات أحسن ، أو هناك مثلاً نظام ؛ هذا لا يجوز ، ليست هذه أسباب تبيح له ذلك ، أما إذا كان لا ؛ يخشى على نفسه  بالقتل أو كذا ؛ بعض الناس مطلوبين مثلاً ، القتل بعض الحكومات الظالمة أو كذا نعم قد يكون هذا له عذر إذا كان لا يستطيع أن يذهب إلى البلاد الإسلامية ، أما إذا كان فقط لأجل والله نظام ، معاشات أحسن ، وديمقراطية ؛ على قولهم ، وحرية ؛ هذا لا يجوز أبداً ، ولذلك يجب على المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفار إذا كانت هذه أعذارهم وهذه أسبابهم ؛ يجب عليهم أن يرجعوا إلى بلادهم ؛ لا يعيشون في هذه البلاد ؛ إلا إذا كان لا يستطيع هذا موضوع آخر ، والقاعدة عندنا ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ١٤ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ١٥﴾[القيامة: 14-15] ؛ بينه وبين ربه سبحانه وتعالى ؛ هو يقدر الأمور يعني ؛ لأن البعض قد يخرج من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر بأسباب تافهة ؛ أن فرص عمل أكثر ، وأنا جربت ؛ أي سافرت إلى كثير من البلاد حقيقة ، وبعض البلاد جلست فيها مدة طويلة ؛ يعني مصيبة هناك ، المسلمون هناك يشكون ، يكفي أنك لا تسمع الأذان ، والبعض لا يستطيع أن يصلي في أي مكان ، والبعض الآن كما ترون أنه يعني أولاده بناته بدأن يعني ينحرفن ، والأولاد بدأوا ينحرفون ، وبعضهم أشرك وتنصر ، وبعضهم ألحد ، والبعض صار هو نفسه لا يصلي ؛ أي هو أهمل ، وتساهلوا في المحرمات ؛ في الخمر وغيره ، وحتى في أكل الحلال ؛ قصدي المال الحلال ، تساهلوا في الربا خاصةً مع الفتاوى الباطلة التي تأتيهم من بعض من ينتسب إلى أهل العلم ؛ فتاوى للتسهيل عليهم هناك ، وغير ذلك من الأمور ؛ مصائب حقيقة ، يشتكون هناك ، فالإنسان لا يتساهل في هذا الأمر ، الله المستعان.

شارك